الرأيحقوق الإنسان

ملاحظات حول التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2019 ( الحلقة 2)

ضعف البعد الجهوي

تعتبر الجهوية ورشا إصلاحيا مهيكلا عميقا وكبيرا،يرمي إلى تغيير بنية الدولة ويتوخى إضفاء المزيد من الديموقراطية على تدبير الشأن العام، وضمان تقاطع السياسات الوطنية والقطاعية والترابية العمومية”، كما أكد على ذلك جلالة الملك في أكثر من مناسبة وخطاب سامي، واعتبر أن “الجهوية ليست مجرد قوانين ومساطر إدارية، وإنما هي تغيير عميق في هياكل الدولة، ومقاربة عملية في الحكامة”. ولا يمكن هنا لأحد أن يتجاهل أو ينكر الدور الذي يمكن أن يلعبه المجلس الوطني لحقوق الإنسان في رصد ومراقبة وتتبع أوضاع حقوق الإنسان على الصعيد الجهوي، وكذا تتبع وتقييم فعلية حقوق الإنسان بالسياسات والبرامج الجهوية.

1- المجلس الوطني لحقوق الإنسان وموضوع الجهوية:

ينص القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس على أنه يمارس صلاحياته بكل استقلالية، في جميع القضايا، المتصلة بحماية واحترام حقوق الإنسان والحريات. ويسهر من أجل ذلك، على رصد ومراقبة وتتبع أوضاع حقوق الإنسان على الصعيدين الوطني والجهوي. كما أنه يقوم في إطار مهامه الحمائية، برصد انتهاكات حقوق الإنسان بسائر جهات المملكة.

ولأجل القيام بهذه المهمة يتوفر المجلس على اللجان الجهوية لحقوق الإنسان، تمارس صلاحيات المجلس على مستوى النفوذ الترابي لكل جهة، تحت سلطة رئيس المجلس.

كما أن هذه اللجن الجهوية (حسب النظام الداخلي للمجلس) تحدث لديها ثلاث لجان دائمة، لجنة دائمة لحماية حقوق الإنسان، ولجنة دائمة للنهوض بحقوق الإنسان، ولجنة تتبع وتقييم فعلية حقوق الإنسان بالسياسات والبرامج الجهوية تكلف برصد وضعية حقوق الإنسان وإنجاز التقارير والأعمال التي يعهد بها رئيس اللجنة الجهوية إليها.

ويتولى رؤساء اللجن الجهوية، تحت سلطة رئيسة المجلس(…)، رفع تقارير خاصة أو دورية إلى رئيسة المجلس حول التدابير المتخذة بشأن معالجة الشكايات المندرجة في نطاق الاختصاص الترابي أو الموضوعي للجنة؛ وكذا رصد أوضاع حقوق الإنسان وتتبعها على صعيد الجهة والقيام بالإخبار الفوري لأجهزة المجلس على الصعيد المركزي، وإعداد  تقارير موضوعاتية حول قضايا حقوق الإنسان على صعيد الجهة، تحت إشراف رئيسة المجلس.

إن التذكير بهذه المقتضيات ليس من باب استعراض صلاحيات المجلس ولجانه الجهوية بشكل سردي ميكانيكي، وإنما للتذكير  والاستدلال على أن رغبة المشرع  في إعطاء بعد جهوي لعمل المجلس ليس اعتباطيا، بل هو في انسجام تام مع أحد الاختيارات الاستراتيجية للدولة. لذلك تم تمكينه من إحداث لجن جهوية  تهدف إلى رصد وتتبع أوضاع حقوق الإنسان على صعيد الجهة، وأيضا تتبع وتقييم فعلية حقوق الإنسان بالسياسات والبرامج الجهوية، وإعداد  تقارير خاصة أو دورية  وتقارير موضوعاتية حول قضايا حقوق الإنسان على صعيد الجهة.

2- التقرير وضعف البعد/ والمقاربة الجهوية:

رغم أن تقديم رئيسة المجلس للتقرير أكد على  سياسة القرب وعلى تتبع السياسات العامة على المستوى الجهوي حيث جاء في تقديمها مايلي:” … توجه المجلس للقاء المواطنات والمواطنين سواء مركزيا أو من خلال لجانه الجهوية الاثنتي عشرة، في إطار سياسة حقيقية للقرب، لتتبع السياسات العامة على المستوى الجهوي….”.

إلا أنه من خلال  الاطلاع على التقرير يتضح أن البعد الجهوي  لم يكن حاضرا بشكل أساسي ودائم في التقرير  بل كان ضعيفا إن لم نقل غائبا في فلسفته ومنهجيته وحتى على مستوى المعطيات والمضمون، اللهم في بعض المجالات والمحاور القليلة والمحدودة  والتي برز فيها إلى حد ما البعد والمقاربة الجهوية ونخص بالذكر: المحور المتعلق بالشكايات: حيث تم فيه تقديم معلومات عن الشكايات حسب الجهات، كالعدد الوارد على اللجن الجهوية والتي تشكل أغلبية ب 2161 من بين 3150 شكاية توصل بها المجلس، وأيضا عدد الأشخاص الذين تم استقبالهم بعدد 3799 من بين 4585، كما تم تعزيز هذا المحور برسوم بيانية وأرقام ونسب مئوية.

ولكن للأسف لم يذهب التقرير بعيدا في تبني هذه المقاربة حيث أنه تطرق في نفس المحور للشكايات المتعلقة بأماكن الحرمان من الحرية التي أحيلت مباشرة إلى اللجان الجهوية من أجل معالجتها ومتابعاتها إعمالا لمبدأ القرب، وبالموازاة مع ذلك أشار إلى عدد الشكايات التي توصلت بها اللجان الجهوية والتي همت نفس المواضيع المتعلقة بأماكن الحرمان من الحرية، ولكن  التقرير لم يوضح من هي هاته اللجان الجهوية التي أحيلت عليها هذه الشكايات، ومن هي اللجن الجهوية التي توصلت مباشرة بالشكايات.

نفس الشيء فيما يتعلق بملاحظة المحاكمات: حيث لاحظ المجلس ولجانه الجهوية 53 محاكمة  خلال سنة 2019، ترتبط بالحق في التظاهر والاحتجاج بالشارع العام، وأخرى تتعلق بالحقوق الفردية وحرية التعبير وحماية الأشخاص، ومحاكمات استأثرت بمتابعة الرأي العام الوطني والدولي. ولكن لم يشر التقرير إلى الجهات التي وقعت فيها هذه المحاكمات وحصة كل جهة على حدة.

وأيضا فيما يخص واقع الفتيات أشار التقرير مثلا إلى اللقاءات التحسيسية التي نظمت من طرف اللجن الجهوية بخصوص مراجعة المادة 20 من مدونة الأسرة المتعلقة بالإذن بزواج الأطفال والطفلات، لكن لم يقدم أي توضيحات حول عدد هذه اللقاءات وماهي الجهات التي نظمت فيها.

إن اختيار عنوان للتقرير “فعلية حقوق الإنسان ضمن نموذج ناشئ للحريات”، يعطي الانطباع على أن التقرير رجح البعد الجهوي والمحلي في مقاربته وتقييمه للحقوق والحريات، وبالتالي كنا ننتظر أن يبرز في التقرير مثلا:

– في المحور المتعلق بحقوق النساء والفتيات: أن المجلس تحدث عن الحملة الوطنية التي أطلقها بخصوص موضوع تزويج القاصرات، وتجسدت هذه الحملة في تنظيم المجلس ولجانه الجهوية لسلسلة من الأنشطة التحسيسية والتوعوية وحلقات النقاش، ولكن لم يوضح من هاته الجهات التي استفادت من ذلك وما واقع كل جهة بخصوص هذا الموضوع؛

– في المحور المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية: تحدث التقرير عن تنظيم، عبر لجانه الجهوية، لقاءات جهوية في موضوع فعلية الحقوق  والحريات في المغرب، وخصص محاور للحديث عن الحق في التعليم والحق في الصحة والحق في الماء، باعتبارها حقوق تستأثر باهتمامه ولها ارتباط وثيق بالحركات الاحتجاجية التي شهدتها العديد من المناطق في المغرب، وسجل المجلس  من خلال التقرير العديد من الترددات في عدد من المجالات ولكن للأسف لم يتحدث عن الجهات التي  هي ضحية هذه الترددات والتي تواجه مشاكل وتعثرات في  فعلية هذه الحقوق كالتعليم والصحة والشغل مثلا؛

– في ما يتعلق بالحق في التربية والتعليم مثلا، تطرق  التقرير  للإشكاليتين المرتبطتين بالهدر المدرسي والتعليم الأولي والتي تستأثران باهتمامه، فبالرغم من استشهاده بمعطيات لمؤسسات رسمية، إلا أنه لم يتطرق للجهات الأكثر  مواجهة للإشكاليتين.  وتطرق التقرير أيضا لموضوع إدماج الأمازيغية في التعليم مسجلا أنه “يراوح مكانه، بل ويمكن التحدث عن تراجعات في بعض الأحيان، من قبيل سيرورة تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في العديد من المديريات الجهوية والإقليمية”، ولكن لم يتطرق التقرير إلى هذه الجهات والأقاليم؛

– نفس الشيء بالنسبة للحق في الصحة، فرغم تسجيل المجلس لخصاص كبير على مستوى شبكة المؤسسات الاستشفائية، وتفاوتا على المستوى المجالي والترابي، بالإضافة إلى نقص التأطير الطبي، إلا أنه أيضا لم يوضح الجهات التي تعرف هذا الخصاص الكبير؛

– نفس الملاحظة تسري على الحق في العمل، إذ لم يقدم المجلس أية معطيات وتفاصيل حول واقع هذا الحق والقضايا التي تشكل عائقا في التمتع به على مستوى كل جهة على حدة؛

– في محور النهوض بثقافة حقوق الإنسان: يعد النهوض بحقوق الإنسان المهمة الأساسية الثانية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والتي نصت عليها مبادئ باريس بشكل صريح. مهام النهوض تلك هي المهام التي تتوخى خلق مجتمع تُستوعب وتُحترم فيه حقوق الإنسان بشكل واسع. وفي هذ الصدد، يمارس المجلس ولجانه الجهوية مجموعة من الصلاحيات التي تدخل في هذا الإطار ، وإن أشار  التقرير  إلى طبيعة هذه الأنشطة إلى أنه لم يشر نهائيا إلى الجهات التي استفادت  وحجم هذه الاستفادة.

هذه بعض من الأمثلة التي توضح ضعف إن لم نقل “غياب” البعد والمقاربة الجهوية في تقرير المجلس، مما يستلزم مستقبلا إعادة النظر في فلسفة ومنهجية هذا التقرير لتعطي بشكل أوضح  وأدق  صورة حقيقة لأوضاع حقوق الإنسان على صعيد الجهة، وأيضا لتبين  فعلية حقوق الإنسان في السياسات والبرامج الجهوية، أو على الأقل إرفاقه أو الإحالة إلى تقارير خاصة أو دورية  وموضوعاتية حول قضايا ووضعية حقوق الإنسان على صعيد الجهة، التي من المفروض أن تنجزها اللجان الجهوية  كما هو منصوص عليه في النظام الداخلي للمجلس، لكي تكون لدينا إمكانية لمعرفة واقع ووضعية حقوق الإنسان في كل جهة على حدة وانسجاما مع الاختيار الاستراتيجي للدولة المتمثل في تبني خيار الجهوية.

في هذا السياق أثير الانتباه إلى غياب التفاعل مع التوصية الصادرة عن الملتقى البرلماني للجهات، في دورته الأولى يونيو 2016 والثانية نونبر 2017 الذي ينظمه مجلس المستشارين، والتي دعا فيها المشاركون المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى استكمال مسار إحداث علامة label  للجهة المستجيبة لمقاربة حقوق الانسان، مع تضمنها معايير تتعلق بتقييم التقائية السياسات العمومية على المستوى الترابي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق