ثقافة وفنونهام

“المطمورة” و”ايغرم”.. هكذا دبر المغاربة أحوالهم سنوات الجوع

تمر مختلف دول العالم والمغرب على الخصوص، بلحظة حرجة اليوم جراء انتشار فيروس كورونا-كوفيد 19 بالبلاد، حيث أطلت أزمة الوباء على المغرب مرة أخرى، بعد اختفاء أخبار مثل هذه الجائحة في صفوف الأجيال الجديدة.

ويجمع العديد من المؤرخين بأن التاريخ لا زال شاهدا على ما تخلفه الأوبئة والمجاعات من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية في أوساط المجتمعات، والمغرب من البلدان الذي مر بأزمنة صعبة جدا، عاش فيها أوقاتا حرجة أثرت على مساره الاقتصادي والاجتماعي بفعل الخسائر التي كان يتلقاها بشكل مستمر.

ومن خلال هذه الفضاء الرمضاني، ستعيد جريدة “نفس” تقليب صفحات تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وذلك من خلال تقديم قراءة في كتاب: “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” الذي نشر خلال سنة 1992 للمرحوم محمد الأمين البزاز.

وسنقدم في هذا الركن سلسلة من الحلقات لأبرز محطات الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وما كانت تنشأ عنها من خراب ودمار، وما تتركه من آثار بعيدة الغور في كافة الميادين، خصوصا وأن الأوبئة ما زالت تطفو على سائر الاهتمامات في كثير من أقطار العالم، نظرا لما تثيره من قلق وخوف في نفس الإنسان.

الادخار

إذا كان الإنسان المغربي يتجه إلى خالقه في أوقات الشدة طلبا للرحمة، فهذا لا يعني أنه كان يقف مستسلما للأقدار، كان بالعكس يحسب حسابه لنكسات الطقس، مما جعله عبر الزمن يكتسب خبرة كبيرة في مقاومة الجوع، وكانت إحدى أهم وسائله النضالية تأسيس المطمورة والأهراء الجماعية لادخار القوت

فالمطمورة، يقول الدكتور محمد الأمين البزاز لم تكن جزءا رئيسيا من الحقل، فهي عبارة عن تجاويف باطنية تفرش جوانبها بالتبن وتغطيها صخرة منبسطة، يعلوها غطاء صغير مخروطي الشكل مكونا أكمة تحول دون تسرب الماء إليها، ومع أن الطبقة العليا الأقوات المخزونة كانت تتعرض للفساد، فإنها كانت تشكل قشرة تحمي الباقي، بحيث كانت المطمورة قادرة على خزن الحبوب في حالة جيدة لمدة طويلة قد تصل إلى عشرين سنة.

وبالإضافة إلى ذلك، يبرز البزاز أن المغاربة اعتمدوا، أيضا على الأهراء الجماعية والتي كانت منتشرة في المناطق الجبلية بالجنوب، وهي عبارة عن مخازن بنتها القبائل على شكل قلاع كبيرة تدعى “أكدير” أو “ايغرم”، ويتكون كل منها من طبقتين أو ثلاث، بزواياه أبراج للحراسة، وهناك أحكام عرفية نظمت منذ القديم، وبكامل الدقة، استغلال هذه الأهراءات، وقواعد المحافظة عليها وإصلاحها بما يحقق المنفعة وينفي الضرر.

وبالنسبة لسكان المدن، يفيد صاحب الكتاب بأنهم كانوا يولون اهتماما كبيرا بتخزين الأقوات داخل دورهم، فيضعونهم في سلال كبيرة تجصص بالطين، وتخصص لها غرف فوق السطوح التي جرت العادة باستغلالها في الأغراض المعيشية، وكانت المراهنة على هذا الادخار إحدى أهم الثوابت التقليدية في حياة بعض المدن التي تعرضت في عصورها المختلفة لضروب المحن، سواء على يد الطبيعة أو الإنسان، وهو ما لاحظه لوطورنو بالنسبة لفاس وعبر عنه بالقول “إن هؤلاء الحضريين الذين تعودوا منذ قرون على الصمود أمام ما يضرب عليهم من حصار، وعلى تحمل نتائج السنوات العجاف، قد صاروا يتكيفون مع هذه الأحداث السيئة، فعندما يلاحظون البوادر الأولى لأي اضطراب كان من جهة السماء أو البشر يقومون بالادخار من كل نوع، بحيث يتمكنون على العموم من الخروج سالمين من المخاطرة”.

ويوضح الدكتور الأمين البزاز أن أدبيات العصر أبرزت هذا الاهتمام بالادخار، حيث نظم الشعراء قصائد تحث عليه، ومنها أبيات لسيدي الحسين بن رحال المتوفى سنة 1140 هـ، والتي ننقلها لكم كما هي في كتاب د.الأمين البزاز:

إياك والتفريط في الأقوات.. فهي إمام الدين والحياة

وكل أمر دونه يسهل.. وكيف والجوع داء يقتل

فالقوت روح الجسم والحياة.. وفقده طبعا هو الممات

كما ينقل د. البزاز نصيحة أخرى توصي بعدم التدبير وتحث على قيمة العمل والادخار، وهي للفقيه السوسي البوشواري المعاصر لمجاعة 1878، ومما جاء فيها “عليك بتخزين زريعتك والاقتصاد في معيشتك، فخذ الثلث من كل شيء وادخره، وكل الثلثين، وعليك بإعانة قوتك بالخضر ولا تسرف، وانصح الناس، ولا تكثر من تملك البقر، فإن لم تحكم في يدك وغلب عليك الإسراف، فاجعل ما فضل لك في الحصن أو في موضع لا تصل إليه بسرعة، وعليك بالجهاد (يعني الكد والعمل) دنيا ,أخرى، ولا تكن بخيلا (يعني كسولا) فعاقبة البخل (الكسل) الندامة..”

ويفسر البزاز هذا النص بكونه يحمل مدلولا اجتماعيا مهما مرتبطا بقيمة العمل، فهو يحث عليه، ويرفض فكرة السعي لسعادة الإنسان الأخروية منعزلة عن نشاطه الاجتماعي لخير حياته اليومية، وفي هذا، يقول الكاتب، ما يدل على أن العامل الديني لم يلعب، كما قيل، دورا معيقا للعمل والسعي، مما يدحض ما يقال عادة عن أن الطبيعة الاديولوجية الدينية السائدة لعبت دورا مهما في تركيد أي تقدم اقتصادي في هذا البلد بإشاعتها فكرة الاستسلام للقضاء والقدر.

التضامن الاجتماعي

من جهة أخرى، يرى البزاز على أن أغلب من كان يدخر هم من الأغنياء، أما الفقراء فلم يكن لهم شيء يدخرونه في الأصل، بيد أنه يؤكد أن هؤلاء كانوا يستفيدون من أعمال البر والإحسان التي احتلت مكانا واسعا في المجتمع المغربي، خصوصا وأن الصدقات من الأمور التي أراد بها الإسلام الحد من طغيان رأس المال، فدعا إليها وجعلها تطهيرا للمتصدقين، حيث يشدد الكاتب على أن الناس كانوا ملتزمين بهذه الفريضة الخيرية، فلم تكن أي مدينة من المدن المغربية تخلو من عائلات خصصت قسطا من أملاكها للإسعاف الاجتماعي وهي الأوقاف المعينة للخبز، مثلا، والذي كان يوزع أسبوعيا ويوميا حسب أهمية الأرياع. ومن الوثائق والرسوم العدلية بتطوان الراجعة إلى القرن 12، والتي نشر محمد داود نماذج عنها، تطالعنا فيها، كما ينقل البزاز، وصية امرأة تدعى عوالي بنت سيدي قاسم ابريل الأندلسي التطواني التي أوصت بثلث متخلفها ليشترى بمدخوله خبز يوزع على الفقراء والمساكين، وقد علق داود على هذه الوصية بقول “وكانت العادة وما زالت أن يسمى هذا الخبز بخبز الخميس، وتوجد به وصايا عديدة لمحسني تطوان إلى الآن، فنجد في صباح كل يوم خميس أمواج من الضعفاء يتواردون على دور نظار ذلك الحبس، ويجمعون من ذلك الخبز عددا قد يكفي الواحد منهم لجل أيام الأسبوع، وقد يبيعه بعضهم للغير، وقد حول بعض ذلك لدراهم عينا”.

وإلى جانب ذلك، يضيف المؤرخ المغربي أن الكثير من الأغنياء كان لهم متسولوهم الخاصون الذين يأتون إليهم كل يوم طالبين ما يسدون به رمقهم، بل وكان بعض المعوزين يوجه رسالة إلى غني من الأغنياء يستعطفه، شارحا فيها حالته البائسة. وفي هذا الصدد، ينقل البزاز رسالة من هذا النوع يرجع تاريخها إلى 17 ذي الحجة 1227هـ/22 دجنبر 1812، وجهها المدعو محمد الشياظمي، بائع الخبز بسوق الغرسة الكبيرة بتطوان إلى التاجر محمد بن عمر بجه، جاء فيها: “فإني طالب منك أن تغيثني إغاثة ملهوف بما أطلق الله يديك لتغيثني لله، وابتغاء مرضات (كذا) الله، لأني مسكين وذو عيال وغريب عن البلاد، وركبي الدين، وبقيت متحيرا لا ندري ما نفعل، ولم تكن لي سيدي صنعة سوى أني أبيع الخبز للناس في السوق بالأجرة وتلك الأجرة لا تكفيني لشيء ثم إني سيدي رفعت أمري إلى الله ثم إليك لتنظر حالي وتشفق من ضعفي، واعلم سيدي بأني صعب علي الحال من أجل حياءي (كذا) ومروءتي وضعف بدني وكبر سني وإنك إن فعلت معنا ما نطلبه منك كأنه عتقت رقبة في سبيل الله”.

ويوضح د.الأمين البزاز أن الميسورين الأتقياء كانوا يستجيبون لمثل هذه التوسلات، وكانوا يكثرون من الأعمال الخيرية بصورة خاصة في حالات الضيق الاقتصادي والأزمات الغذائية ابتغاء ثواب الله، وليرفع الشدة عن الناس، ويقدم في هذا الإطار أمثلة متعددة، ومنها مثال نقله عن القادري في ترجمته للفقيه محمد الصنهاجي (توفي عام 1154 هـ): “وكان يواسي في زمان الشدة فاتخذه المساكين الحائرون عدة، أقام أياما يطعم الطعام في المسغبة العظيمة وضيق العيش للخاص والعام”.

ويورد الكاتب أن هذا التضامن الاجتماعي لم يكن بقاصر على الحضريين، فقد غرس جذوره العميقة أيضا بين القرويين، فمن العادات التي ما تزال إلى اليوم أن يتجمع فقراء القرية عند الحقل للحصول على شيء من الغلال، وكان يجري توزيع الخبز و”الكرموس” عليهم هند القبور وفي المناسبات، ويظهر هذا التكافل الاجتماعي في أعلى مظاهره في تسليف الكبار الزرع للصغار في السنوات العجاف، وفي هذا السياق، أيضا، يقدم البزاز ما وقف عنده التوفيق في كناش الجيلالي الدمناتي على تقاييد تنص على سلفات الشعير والقمح، جاء في واحدة منها “الحمد لله وحده، تقييد زرعنا قمحا وشعيرا الذي أسلفناه للايالة رجاء من الله أن يقبل منا ثوابه”، كما تضاف إلى ذلك، يزيد الكاتب، المساعدات التي تقدم للمحتاجين بوسائل مختلفة، مثل “التويزة” و”الوزيعة، وغيرها من مظاهر العلائق الاجتماعية الاقتصادية اللارأسمالية التي ساهمت في إعانة الأسر الفلاحية الصغيرة على الاستمرار في حالات الضيق والشدة.

دور الزوايا

كما يلفت د.الأمين البزاز الانتباه إلى مسألة مهمة، وهي الدور التقليدي الذي كانت تلعبه الزوايا، والتي كانت تقوم بإيواء الغرباء، وعابري السبيل، وإطعامهم، وهي من بين الوظائف الاجتماعية التي اضطلعت بها إلى حد أن كل زاوية لم تكن تخلو من قاعة مخصصة لهذا الغرض، وكان إطعام الناس وإيواؤهم سدى في بعض الزوايا لسائر البشر، حتى للمخالفين للعقيدة الإسلامية.

وينقل البزاز ما سمعه الشريف المعسكري من الشيخ العربي الدرقاوي حينما قال له “منذ سبعة أيام وأنا مريض من أجل بعض اليهود… باتوا بزاويتنا أضيافا وأطعمناهم ونسيت أن نهيئ لهم موضعا يرقدون فيه، وكانت الليلة كثيرة البرودة”، معتبرا أن ذلك كان هو الدور الاجتماعي للزوايا، والذي كان يصبح من الأولويات في أوقات المجاعات، سيما وأن إغاثة المنكوبين كانت تخلق أمامها فرصة مد نفوذها الروحي.

ويقول البزاز إنه في الأوقات العصيبة كان يشتهر أمر الزوايا، وينتشر بين الناس ذكرها، ويفزع إليها المنكوبون من كل حدب وصوب، وهناك زوايا كانت تقوم بهذا الدور بتنسيق مع المخزن، فالزاوية الفاسية كانت تتحول في أوقات القحوط إلى مركز لتوزيع حبوب المخزن على الجائعين.

من جهة أخرى، يفيد د.البزاز أن ما قيل على المسلمين يقال أيضا عن اليهود، فقد كانت فكرة التضامن الاجتماعي مترسخة بصورة قوية بيتهم، وكانت الطائفة تمتلك ممتلكات خاصة للأعمال الخيرية تدعى “هقديس” (ملك يحرم التصرف فيه)، وتسمى أيضا “مال الفقراء”، وهو شبيه بالحبوس. وبالإضافة إلى ذلك كان الأغنياء اليهود يتجندون في أوقات الشدة لتنظيم حملات الإغاثة لفائدة المنكوبين، حيث ينقل الكاتب ما جاء في “تقنة” أي نازلة بتاريخ 1700: “لقد وجدت جماعة يهود فاس نفسها مضطرة إلى رهن ممتلكاتها (هقديس)/حبوس/ لمساعدة أعضاءها الذين أذقعهم الفقر”، كما ينقل رواية يهودية عن مجاعة 1680 تقول: “لقد بلغ القمح مثقالين للمد و120 للصحفة والحقيقة أن الناس (اليهود) لم يعانوا في هذا الوقت من الضيق الناجم عن القحط، إذ كان يوجد في ملاح فاس الكثيرون من الأغنياء”، وتشهد رواية أخرى أنه لم يهلك أحد من اليهود خلال مجاعة 1868 بفضل الأعمال الخيرية التي قدمتها الجماعة للمعوزين منهم بملاح فاس.

أطعمة الجوع

يقول صاحب الكتاب إن الأعمال الاحسانية الفردية مهما بلغت طموحاتها لم تكن قادرة في الواقع على الاستجابة لكل الحاجيات في شدة طاحنة، كما أن مساعدات المخزن لم تكن هي الأخرى قادرة على احتواء مثل هذه الشدة، لذلك كانت المجاعة تفرض دائما على ضحاياها نظاما غذائيا استثنائيا لا يعمل في الواقع إلا على تسكين آلام الجوع لساعات محدودة ببعض النباتات البرية: من هذه النباتات إيرني (الدغفل) الذي ارتبط اسمه بتاريخ المجاعات الكبرى بالمغرب، ففي كل مجاعة كان الشغل الشاغل للفقراء الخروج بفؤوسهم إلى الخلاء للبحث عن هذه النباتات الذي يساعدهم على البقاء، كانت عروقه تسلق بالماء مرارا وتكرار لإزالة مادته السامة ثم تجفف بأشعة الشمس وتطحن فتعطي دقيقا يصنع منه خبز شديد البياض، لكنه عسر الهضم ويسبب اضطرابات حادة في جسم يكون الجوع قد أضعف مقاومته مما يؤدي إلى الوفاة.

ومن النباتات أيضا، التي تمت الإشارة ليها في الوثائق، الخروب الذي كانت تستهلكه حتى العائلات الغنية في أوقات الجوع، ويتحول إلى مادة تجارية رائجة يجني منها التجار أرباحا سهلة، وينقل البزاز عن قنصل فرنسا بالرباط بأن تجار الاحتكار كانوا في مجاعة 1850 يأتون بأحمال كبيرة منه إلى مدينة، يبيعها تجار التقسيط بـ 0,15 فرنك (موزنتين) للرطل، وقد دخل منه للمدينة في زمن يسير 800 قنطار بيعت في بضعة أيام.

وبالإضافة إلى إيرني والخروب، استعملت نباتات أخرى متنوعة كالنبق والبلوط، والخبازة، والدوم.. يشير الكاتب إلى أن مواد أخرى جيدة كانت تساعد السكان في بعض الأقاليم على الصمود كأشجار الأركان التي كانت تقاوم الجفاف.. فيما إبان وقوع القحط بسبب الجراد، فكان الفقراء يجدون في الجرد نفسه غذاء شهيا فيستهلكونه مسلوقا بعد أن يذر عليه الملح والفلفل والخل، حيث ينقل الكاتب عن السفير البريطاني جون دورمند هاي بأن سكان الصحراء كانوا يبتهجون عند قدومه ويسمونه “الخير”، إذ أنه لا يلحقهم ضرر منه، في حين يقدم لهم وجبة لذيذة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق