ثقافة وفنونهام

كوليرا 1895.. الوباء الذي تسبب في نزيف الوفيات بين المغاربة

تمر مختلف دول العالم والمغرب على الخصوص، بلحظة حرجة اليوم جراء انتشار فيروس كورونا-كوفيد 19 بالبلاد، حيث أطلت أزمة الوباء على المغرب مرة أخرى، بعد اختفاء أخبار مثل هذه الجائحة في صفوف الأجيال الجديدة.

ويجمع العديد من المؤرخين بأن التاريخ لا زال شاهدا على ما تخلفه الأوبئة والمجاعات من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية في أوساط المجتمعات، والمغرب من البلدان الذي مر بأزمنة صعبة جدا، عاش فيها أوقاتا حرجة أثرت على مساره الاقتصادي والاجتماعي بفعل الخسائر التي كان يتلقاها بشكل مستمر.

ومن خلال هذه الفضاء الرمضاني، ستعيد جريدة “نفس” تقليب صفحات تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وذلك من خلال تقديم قراءة في كتاب: “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” الذي نشر خلال سنة 1992 للمرحوم محمد الأمين البزاز.

وسنقدم في هذا الركن سلسلة من الحلقات لأبرز محطات الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وما كانت تنشأ عنها من خراب ودمار، وما تتركه من آثار بعيدة الغور في كافة الميادين، خصوصا وأن الأوبئة ما زالت تطفو على سائر الاهتمامات في كثير من أقطار العالم، نظرا لما تثيره من قلق وخوف في نفس الإنسان.

كوليرا 1895-1896

كشف محمد الأمين البزاز في كتابه “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، أن وباء الكوليرا عاد ليضرب المغرب من جديد بتاريخ 1895-1896، وذلك في إطار الموجة العالمية الخامسة من هذا الوباء، حيث انطلق من مكة سنة 1881 واكتسح عددا من البلدان، ولم ينقطع إلا بعد عام 1896.

ولاحظ محمد الأمين البزاز، أن المغرب لم يصب إلا في متأخر خلال هذه الموجة، وهذا راجع إلى التدابير الصحية الصارمة التي اتخذها المجلس الصحي ضد السفن القادمة من الموانئ الموبوءة، غير أنه استطاع في الأخير أن يدخل للبلاد عن طريق طنجة، قبل أن يزحف نحو تطوان، ويواصل انتشاره صوب باقي المدن والجهات الأخرى.

وأرخ الأمين البزاز إلى دخول الوباء نحو المغرب بتاريخ 12 غشت 1895 بعد وصول السفينة الفرنسية “موريس- رونيو” (Maurice Réunion) إلى ميناء طنجة، مزودة بشهادة صحية “جيدة”، وعلى متنها 750 حاجا مغربيا قدموا من الديار المقدسة، واستنادا إلى قرار المجلس الصحي، تمكنت السفينة من إنزال ركابها بدون حجر صحي، وبعد خضوعها لمجرد فحص سريع أجراه الطبيب الصحي فوق ظهرها، بيد أن المجلس لم يرخص لها بهذا الامتياز إلا لكونه تلقى تقريرا من قائدها يؤكد فيه باسم الطبيب الفرنسي ألار (Allard)، الذي رافقها خلال رحلتها، تمتع الحجاج بصحة جيدة.

وسجل البزاز أنه نتيجة هذا التقرير الذي تلقاه المجلس الصحي من قائد السفينة، سمح بموجبه حق إنزال ركابها بطنجة، بدلا من توجيهها إلى جزيرة الصويرة لقضاء الحجر بها، بيد أن نزول الحجاج اقترن بتسجيل وفيات غير عادية، سواء بينهم أو بين سكان المدينة.

وأشار إلى أنه بعد نزولهم، اتجه عدد كبير منهم إلى ضريح سيدي محمد الحاج، وخيم الحجاج في القرية المجاورة المعروفة بقرية بوغابة، بينما أقام آخرون منهم في السوق الكبير، وفي يوم نزولهم، حدثت وفاة دون أن تثير الانتباه.

وفي يوم 24 غشت أصيبت فتاة يهودية تشتغل في النواحي المجاورة للسوق، وتوفيت بعد ثلاثة أيام وقد ظهرت عليها الأعراض المميزة للكوليرا، ثم تواصلت الاصابات إلى نهاية غشت، دون أن يظهر أي قلق داخل المجلس الصحي، وفي بداية شتنبر، ارتفعت الوفيات في قرية بوغابة بشكل ملحوظ، وقرر المجلس إذ ذاك الاعتراف رسميا بوجود الكوليرا بالمدينة، يوثق كتاب “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”.

وأوضح المؤرخ التاريخي المغربي، أنه بالرغم من هذه المعيطات، فقد ظلت الآراء متضاربة حول طبيعة الوباء، ولم يتمكن الأطباء الأجانب المقيمون بالمدينة من حسم الموقف، لذلك تم إرسال أجزاء من الأمعاء والمرارة من جثة أحد الضحايا في قنينة إلى أحد المختبرات بمدريد، وفي نفس الوقت، تم استدعاء الطبيب الفرنسي سوليي (Soulie)، نائب مؤسسة باستور بالجزائر، الذي اهتم خلال إقامته بطنجة في بداية أكتوبر بتحديد طبيعة المرض وأصله وتوضيح التدابير اللازمة لمكافحته.

وأفاد الباحث في التاريخ، أن ملاحظات سوليي تركزت على المصابين الاسبان واليهود، أما المسلمون فكانوا، على حد قوله، يمتنعون عن تلقي أي زيارة طبية لهم مما جعل من المتعذر عليه التعرف بدقة على طبيعة المرض المتفشي بينهم.

وبناء على ملاحظاته، أكد سوليي أنه “لا جدال في أن الوباء الذي أصاب ولا يزال يصيب عددا كبيرا من السكان في مختلف أنحاء المدينة هو الكوليرا”، مفيدا أن المرض يبدأ فجأة في أغلب الحالات بإسهال خفيف، وغثيان، ووجع في الرأس، ثم يأخذ المريض في التغوط الكثير، ويكون برازه سائلا، شبيها بمرقة الأرز، ويلي هذا التغوط المفرط تقيء غزير، ويشعر المريض بعطش شديد، ويتناول كميات كبيرة من الماء دون أن تنقع له غلة، إذ أنه يعود فيتقيأ، ويطرحها خارج الجسم، عندئذ تسوء حالته كثيرا، فتخفق دقات قلبه، ويزداد نبضه، وتنخفض درجة حرارة جسمه، وييبس جلده، ويزرق، ويبح صوته، وتغور عيناه، وتصبح حالة المريض حينئذ بالغة الخطورة، ويخر على أثرها.

فهذه هي اللوحة المختصرة لحالة مرضية من الحالات العنيفة التي لاحظها سوليي، بيد أن مثل هذه الحالات كانت استثنائية بحسب المؤلف، على اعتبار جلها كانت متوسطة أو خفيفة، وكثير منها لم يكن يستوفي كل الأعراض التقليدية المميزة للكوليرا.

انتشار الوباء

واعتبر الراحل محمد الأمين البزاز أن الوباء كان خفيفا بالمقارنة بوباء 1878، فقد بقي عدد الموتى محدودا إلى منتصف شتنبر، تم تسجيل 12 ضحية يوم 14، منهم 6 في حي القصبة، و5 في حي دار البارود، و1 في الشاطئ، غير أنه ابتداء من 16 شتنبر، ارتفع العدد نسبيا ليبلغ ذروته في الأسبوع الأول من أكتوبر، حيث بلغ 20 ضحية في اليوم، ثم انخفض في الأسبوع الثاني من الشهر إلى 10 ضحايا في اليوم، واستمر التراجع بعد ذلك، إلى أن أقلع الوباء في 24 أكتوبر.

وعلى العموم بلغ مجموع عدد الضحايا، من 12 غشت إلى انقطاع الوباء 700 ضحية على ساكنة تقدر بحوالي 40.000 نسمة (طنجة)، منها 7.000 مسيحي، و9.000 يهودي، وبذلك تكون نسبة الضحايا قد بلغت حوالي 2 في المائة.

ونظرا لقربها من طنجة، الذي عمل على تسهيل العلاقات التجارية، وبحكم شروطها الصحية المزرية، كانت تطوان مهيأة لاستضافة الزائر الرهيب، وفق الأمين البزاز، لاسيما وأن شبكة توزيع مياه الشرب وقنوات الماء الحار بها، ساهمت في انتشار واندلاع الوباء بها.

وإلى حدود منتصف شتنبر 1895، ظلت الحالة الصحية عادية بتطوان، وكانت أصداء الوباء بطنجة قد وصلت إليها وأثارت قدرا كبيرا من القلق إلى حد أن جماعة من اليهود طالبت بعدم إدخال السلع القادمة من طنجة، كالصوف والجلود، ومع ذلك استمرت المعاملات التجارية جارية بين المدينتين.

وتذكر الوثائق التي حصل عليها البزاز في هذا الصدد، أن أحد التجار اليهود، المدعو بنبومان، أرسل من طنجة كمية من الصوف متجمعة من الأفرشة التي بيعت بعد وفاة أصحابها بالكوليرا، وتكفل بنقل هذا الصوف أحد البغالين، المدعو محمد الشرقاوي، الذي وصل إلى تطوان في 19 شتنبر، وسقط مريضا في يوم وصوله، وظهرت عليه الأعراض المميزة للكوليرا، من إسهال، وقيء، وتشنج في العضلات…، ثم ما لبث أن توفي يوم 21 شتنبر.

وأفاد الباحث في التاريخ، أنه في اليومين التاليين، لم يحدث ما يثير الانتباه، لكن في 24 شتنبر، تعددت الاصابات بين المسلمين، وتوفي منهم 12 ضحية، فلم يبق شك في أن الكوليرا داهمت المدينة.

وبعد انتشار الكوليرا في مدينتي طنجة وتطوان وثق محمد الأمين البزاز زحف الوباء إلى باقي أنحاء البلاد، وحيث إن الموسم كان موسم عودة الحجاج إلى دورهم، فقد انضاف عامل جديد لنقل العدوى، وفي ذلك كتبت صحيفة “المغرب الأقصى” تقول: “بدأ الحجاج يتحركون في اتجاه ديارهم، دافنين موتاهم على طول الطريق، وناشرين الوباء عبر البلاد”.

وفي الشمال، وانطلاقا من تطوان، تفشى الوباء في الأسبوع الأول من أكتوبر في القبائل المجاورة لهذه المدينة، كبني معدن في الشمال الغربي، والقلالين في الشمال الشرقي، ثم داهم في حدود 16 أكتوبر بني مصور ووادارس، وبني مسارة، ومن المحتمل أن تكون الشاون قد أصيبت بحسب المصدر ذاته، إذ أن الوثائق تتحدث عن فرار الكثيرين إليها من تطوان، وكانت الكوليرا في نهاية السنة ماتزال متفشية وسط هذه القبائل، مخلفة 40 إلى 50 ضحية في اليوم.

وبخصوص الجنوب، فقد تمت عملية نقل العدوى انطلاقا من طنجة وتطوان تبعا لطريق العرائش والقصر الكبير إلى فاس والرباط، وهكذا أصيبت القصر الكبير في الأيام الأولى من أكتوبر، وبلغ عدد الضحايا 16 ضحية يوم 31 أكتوبر، و25 ضحية يوم 2 نونبر، ومن القصر، واصلت الكوليرا زحفها في اتجاه فاس، وحصل مؤلف الكتاب الموثق للأوبة والمجاعات بالمغرب، على مراسلات نائب قنصل فرنسا بمدينة فاس، التي تلقي بصيصا من الضوء على سير الوباء بها وبما جاورها من مناطق.

وأحال محمد الأمين البزاز على المراسلة الأولى بتاريخ 20 أكتوبر 1895، للنائب القنصلي المذكور (دومرسيي De Marcilly) إلى أن الكوليرا داهمت قرية تبعد عن القصر الكبير بمسيرة يوم واحد، مضيفا أن عملية العدوى تمت انطلاقا من طنجة “كان تسعة أشخاص من هذه القرية قد توجهوا إلى طنجة منذ بضعة أسابيع، فتوفي منهم هنالك ستة، بينما عاد الباقون حاملين ملابس موتاهم مما تسبب في تفشي الوباء بدوارهم، وقد مات بعد عودتهم 15 شخصا (من سكان هذا الدوار)”.

خسائر كبيرة

أما بخصوص فاس، التي يشير الطبيب الفرنسي رينو إلى أنها أصيبت في 20 أكتوبر، فإن دو مرسيي يؤكد عدم وقوع أي وفاة بالكوليرا بها في هذا التاريخ، بيد أنه يتحدث عن وقوع حالات من الاسهال بحي الملاح تولى معالجتها طبيب الحي المدعو فوتا.

وذكر الأمين البزاز، أنه بعد خمسة أيام، ذكر مرسيي في مراسلة جديدة أن الوباء حل بحوض سبو ضاربا عدة دواوير، مخلفا بها خسائر كبيرة: في دوار يضم 200 شخص، لم يبق على قيد الحياة سوى 18 شخصا، وفي آخر يقع على الضفة اليسرى من نهر سبو (جمعة الوقفة) توفي 11 في أقل من 24 ساعة، ومع أن هذه الدواوير تقع بالذات على الطريق الذي تسلكه القوافل بين القصر الكبير وفاس، فإن دومرسيي لم يشر بعد إلى أية حالة من الكوليرا بهذه المدينة، ونفس الصمت يوجد في مراسلتي 12 و17 نونبر، اللتين اكتفى فيهما بإشارة عابرة إلى ظهور الوباء بزرهون والشراردة.

بيد أنه في مراسلة 19 نونبر خرج دومرسيي ليؤكد تفشي الوباء بفاس بعد هلاك عدة أشخاص وعليهم الأعراض المميزة للمرض، وأوضح الأمين البزاز أنه يتضح من إشاراته الملتقطة هنا وهنالك، أن الوباء ظل محصورا في أرباض المدينة وأحيائها الفقيرة، مصيبا بالخصوص العبيد السود والأطفال والفقراء، خاصة منهم فقراء الملاح.

وفي هذه الفئات الفقيرة بفاس بلغ عدد الموتى في الأسبوع الثالث من نونبر 12 ضحية في اليوم، ثم ارتفع في بداية دجنبر إلى 36 ضحية، ليتراجع بعد ذلك إلى 20 ضحية في اليوم، وقد علل دومرسيي هذا الارتفاع في عدد الموتى بظهور أوبئة أخرى بجانب الكوليرا، كالحمى والنزلة الوافدة والجدري، التي تفشت مع انخفاض درجة الحرارة ونزول أمطار الشتاء الأولى.

وذكر البزاز أن دو مرسيي أشار في الوقت نفسه إلى أن الوباء ما يزال متفشيا في مكناس، وبني حسن، ومجاط، وأيت يوسي، والشراردة، وسيدي قاسم، وفي الجبال الواقعة جنوب فاس، واستنتج المؤرخ أنه يظهر من خلال روايته أن ضربات الوباء تفاوتت درجة حدتها في هذه الجهات، فهناك دواوير أخلاهما تقريبا عن آخرهما، وفي دوار واحد، مات 46 شخصا في ظرف ثلاثة أيام، بينما اتسم الوباء بخفة وطأته في جهات أخرى، ففي صفرو، لم يسجل سوى 4 إلى 5 ضحايا في اليوم.

ووفق مراسلة لمرسيي ترجع إلى 27 دجنبر وقف عندها الباحث في التاريخ، إلى أن الوباء أقلع عن فاس ومكناس، بينما واصل زحفه ببطء في الجبال، والسهول الأطلنتكية.

وفي ظل غياب المعطيات، يستنتج محمد الأمين البزاز بأن الكوليرا أصابت مدينة الرباط في الأسبوع الثاني من نونبر، بعد أن انتقلت إليها العدوى من تطوان مع السفير المغربي بريشة، الذي فقد في طريقه إليها ثلاثة أفراد من الحامية المرافقة له.

ومن الرباط انتقلت العدوى إلى سلا، وإلى منتصف دجنبر، كانت ماتزال متفشية في هذه المدينة الأخيرة مخلفة 25 ضحية في اليوم، ولم ينقطع أثرها إلا في نهاية الشهر، وهناك إشارات أخرى إلى تفشي وباء التفوئيد في الرباط وارتفاع عدد ضحاياه بين السكان، لكن مما زاد من خطورة الحالة الصحية بالمدينة، تواجد الجيش السلطاني بها وانتشار الكوليرا والتيفوئيد في صفوفه، وقد بلغت خسائره بالوباء الأخير وحده 200 ضحية، استنادا إلى التوثيق التاريخي للأمين البزاز.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق