ثقافة وفنون

1890.. حين اجتمعت على المغاربة فواجع الجفاف والجراد والجدري والفيضانات

تمر مختلف دول العالم والمغرب على الخصوص، بلحظة حرجة اليوم جراء انتشار فيروس كورونا-كوفيد 19 بالبلاد، حيث أطلت أزمة الوباء على المغرب مرة أخرى، بعد اختفاء أخبار مثل هذه الجائحة في صفوف الأجيال الجديدة.

ويجمع العديد من المؤرخين بأن التاريخ لا زال شاهدا على ما تخلفه الأوبئة والمجاعات من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية في أوساط المجتمعات، والمغرب من البلدان الذي مر بأزمنة صعبة جدا، عاش فيها أوقاتا حرجة أثرت على مساره الاقتصادي والاجتماعي بفعل الخسائر التي كان يتلقاها بشكل مستمر.

ومن خلال هذه الفضاء الرمضاني، ستعيد جريدة “نفس” تقليب صفحات تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وذلك من خلال تقديم قراءة في كتاب: “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” الذي نشر خلال سنة 1992 للمرحوم محمد الأمين البزاز.

وسنقدم في هذا الركن سلسلة من الحلقات لأبرز محطات الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وما كانت تنشأ عنها من خراب ودمار، وما تتركه من آثار بعيدة الغور في كافة الميادين، خصوصا وأن الأوبئة ما زالت تطفو على سائر الاهتمامات في كثير من أقطار العالم، نظرا لما تثيره من قلق وخوف في نفس الإنسان.

آفات مختلفة

ذكر محمد الأمين البزاز في كتابه “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، أن المغرب شهد خلال الفترة الممتدة من 1890 إلى 1894، مجموعة من الآفات الخطيرة التي انعكست سلبا على الوضع الاجتماعي للمغرب.

وكانت أولى هذه المعالم، وفق محمد الأمين البزاز، هي تلك المرتبطة بالجفاف الذي ساد خلال فصل الشتاء، حيث كان شديد الوطأة كما يفهم من رواية رئيس البعثة الفرنسية العسكرية الذي كتب يقول في 17 فبراير: “إن كل المناطق الممتدة من مراكش إلى طنجة مهددة بالمجاعة”.

وذكر الأمين البزاز أنه مباشرة بعد هذا الجفاف الممتد، تهاطلت الأمطار في شهر مارس، إلا أنها نزلت كالطوفان وتتالت طيلة 20 يوما، ففاضت الأودية والأنهار، وخرجت عن مجاريها الطبيعية، جارفة الأشجار، والبهائم، ومهدمة الدور، في فاس، وقدر عدد من مات غرقا بـ 50 إلى 60 ضحية من بين السكان اليهود، و35 إلى 40 ضحية من بين المسلمين، وفي هذه المدينة تفشى في الوقت نفسه وباء ذو طبيعة غامضة، نسبه البعض إلى النزلة الوافدة (الانفلونزا).

وكشف البزاز أنه في ظل هذه المصاعب جاء المحصول السنوي متوسطا في الشمال، وضعيفا في الأقاليم الجنوبية، وكان ضعيفا أيضا في الأقاليم الشرقية، وبحسب إحدى الدراسات فإن إنتاج القمح في الحياينة انخفض من 121.220 مدا عام 1889، إلى 48.780 مدا عام 1890، أي بنسبة 60 في المائة، كما انخفض إنتاج الشعير في المدة نفسها من 127.740، إلى 61.710 أمدادا.

ويحكي صاحب كتاب “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، أنه إلى جانب هذه المصاعب الطبيعية، انضافت مصاعب أخرى من صنع البشر، ففي هذه السنة بالذات، والبلاد تعاني من خصاص ملحوظ، تمكنت ألمانيا من انتزاع موافقة مولاي الحسن على تصدير الحبوب بما فيها القمح والشعير، وقد صدرت الأوامر السلطانية بتسريحها بالفعل، واستفادت منها باقي الدول العظمى بحكم امتياز الدولة الأكثر تفضيلا، ومما جاء في الموضوع في رسالة من أمناء مرسى الدار البيضاء إلى قنصل فرنسا بالمدينة:

“فاعم أن مولانا نصره الله سرح وسق القمح والشعير لمدة من ثلاث سنين أولها ربيع الثاني الفارط مواليا بخمسة عشر بليونا لفنيكة القمح وستة من البليون لفنيكة الشعير.. على شرط أن يكون البيع والشراء الواقع في ذلك بين الرعية والتجار مناجزة يدا بيد لا بالطلق ولا بالتسبيق وعلى شرط أنه إذا وقع في السنين المذكورة نقص أو قحط أعاذنا الله من ذلك يمنع من وسق ذلك كله بعد إعلام التجار بذلك”.

وأفاد المؤرخ التاريخي المغربي، أن سنة 1891 تميزت بالجفاف، الذي ضرب بالخصوص المناطق الجنوبية، محيلا على مراسلة من الصويرة في هذا الصدد، تذكر أن الجفاف الذي ساد في شتاء 1890-1891 أدى إلى ضياع المحصول ونضوب المراعي وهلاك عدد كبير من الدواب.

ويضيف الباحث في التاريخ، أنه بجانب الجفاف، تميزت السنة أيضا بغزو مخيف للجراد، حيث ظهرت أسراب هذه الحشرات الخطيرة منذ أكتوبر 1890 بفكيك وتافيلالت وسوس، ثم امتدت في السنة التالية إلى مجموع البلاد، وفي يناير 1891 اجتاحت منطقة مراكش، وفي 14 ماي مرت أسراب ضخمة بفاس ووجدة، وفي يونيو، اتسع نطاق الغزو إلى جميع المراسي بما فيها طنجة.

الأضرار..

ويشير الراحل محمد الأمين البزاز، أن أضرار الجراد اختلفت في الأقاليم الشمالية من منطقة لأخرى، باستثناء إقليمي الغرب والهبط اللذين بقيا بمنجى، في حين تم القضاء في الجنوب على جميع المحاصيل، ومنذ يناير، كان لامرتنيير La Martinière، أثناء مروره بتارودانت، قد عاين الأضرار الجسيمة التي ألحقها الجراد بنواحي المدينة، التي لم يبق فيها على حد قوله سوى أشجار عارية وأراض يابسة بعد أن كانت عبارة عن بساتين فيحاء.

ولم تتوقف محنة المغاربة في الحياة مع الجفاف والجراد، بل وصلت أيضا إلى تفشي وباء الجدري، وقد ظهر أول ما ظهر بمدينة الصويرة وفق الأمين البزاز، حيث كان يخلف بها منذ نهاية 1891 ضحيتين إلى ثلاث ضحايا في اليوم، ثم ارتفع عدد الموتى في بداية السنة التالية إلى 8، وزاد إلى 15 و20 وحتى إلى 30 ضحية في اليوم.

وأردف البزاز، أنه في بداية أبريل بلغ مجموع عدد الضحايا بالمدينة 1.500 ضحية في اليوم، وهذا يعني أن نسبة الضحايا بلغت 12 في المائة من مجموع عدد السكان الذي كان يقدر ما بين 10.000 و12.000 نسمة، وهي نسبة مرتفعة عبر القنصل الفرنسي بالمدينة عن فداحتها بقوله: “إنها تذكرنا بأوبئة العصر الوسطى الفتاكة”، وكان جميع هؤلاء الضحايا من المسلمين واليهود، وأكبر نسمة من الأطفال، أما المسيحيون فظلوا بمنجى باستثناء تاجر فرنسي يدعى جوسو.

ولاحظ المؤلف أنه من الصويرة، انتشر الوباء جنوبا في مراكش وسوس، وشمالا في الدار البيضاء وطنجة خلال شهر مارس، وإلى غاية شهر دجنبر، كان ما يزال متفشيا بهذه المدينة متزامنا مع وباء ظهر بين البقر، كما كانت عدة مدن أخرى ما تزال تعاني من ويلاته، في آسفي وتطوان أحدث الوباء في نهاية السنة وبداية السنة التالية خسائر كبيرة، فارتفع في المدينة الأولى عدد الموتى به في اليوم إلى 5 و6 ضحايا، وفي الثانية إلى 50 في اليوم.

ويروي الباحث والأستاذ سابقا في التاريخ، أنه بينما كانت البلاد تقاسي من هذا الوباء، نكبت بفيضانات مهولة في نهاية دجنبر 1892، نجمت عن تهاطل الأمطار الوابلة وهبوب الرياح الجنوبية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة وذوبان الثلوج، وهكذا خرج نهر سبو عن مجراه في عدة جهات، جارفا قرى بأكملها، بدوابها وسكانها، كما فاض واد يناون وتسبب في خسائر في الأرواح، وامتدت الفيضانات إلى الأقاليم الجنوبية، حيث دمر واد زيز عدة قرى بتافيلالت وتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح.

وسجل كتاب “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، أن الفواجع تلاحقت في السنة التالية (1893) مع توالي هجوم الجراد، إذ امتد هذا الهجوم الجديد من تافيلالت إلى مراكش ومكناس والشراردة وفاس والرباط والصويرة.

أما عن خسائره، فيحدثنا عنها قنصل فرنسا بالرباط في رسالة بتاريخ 27 يونيو 1893، فيقول: “إن الجراد ونسله الغزير قد أتى على المحاصيل، خاصة الحبوب والبطيخ والخضروات وأشجار الكروم، وقد بقيت الأشجار عارية من أوراقها، كما تضررت البهائم بعد أن أتى الجراد على جميع المراعي”. وكتب يقول في 3 يوليوز: “إن الجراد أحدث خسائر جسيمة في دكالة وعبدة، وأجهز تماما على محصول الذرة”.

من جهة أخرى، وقف الكاتب عند وثيقة مؤرخة في 28 رجب 1311/ 4 فبراير 1894، تشير إلى أن الجراد أحدث أضرارا جسيمة في إقليم حاحا وأدى إلى انهيار مداخيل واجب “الخرص” في الإقليم، وتقول الوثيقة: “إن سبب النقص هو ما أتاه الله تعالى وقدره من كثرة الجراد ونسله لأنها تلد في بلدنا من إبان الحرث إلى إبان الدرس فلذلك لم تذر من غلل العام (1310/ 1893) إلا نزرا قليلا من الزرع”.

ظروف صعبة

وقال محمد الأيمن البزاز، إنه بسبب الجراد، ولكن أيضا بسبب تصدير الحبوب، ارتفعت الأسعار في جميع الجهات، في العرائش، ارتفع ثمن الشعير (لكل 34 كلغ) من 4 فرنك في النصف الأول من عام 1891 إلى 5 فـ و60 سـنت في النصف الأول من السنة التالية، وإلى 7 فـ في مارس 1893، وحسب صحف العصر الطنجية، فإن هذه الأرقام تعني، بالمقارنة بما كانت عليه في بداية 1890 ونهاية 1892، أن نسبة الارتفاع بلغت ما بين 50 إلى 120 في المائة بحسب المناطق: ففي طنجة بلغت النسبة 99 في المائة، وفي مكناس 60 في المائة، وفي فاس 80 في المائة.

وجرت العادة في مثل هذه الظروف، أن الأقاليم الشمالية كانت تعلق الآمال على جلب الحبوب من المراسي الوسطى للتخفيف من حدة الغلاء بها، إلا أن هذه المراسي كانت تعاني بدورها من القلة، وأوضح الأمين البزاز، أنه عندما وجه سفراء ألمانيا والنمسا والولايات المتحدة طلبا في الموضوع إلى الوزير محمد غريط أجاب هذا الأخير بما يلي: “إن الغلاء في هذا الوقت موجود في كل موضع من الايالة حتى أن الرعية ترادفت الشكايات منها على الحضرة الشريفة… وتعين عدم تضييق الضرر الواقع لهم بالغلاء بتسريح ذلك للمرستين المذكورتين (طنجة وتطوان)”.

وخلص البزاز، إلى أن المغرب الذي كان يصدر قمحه وشعيره إلى أوروبا، كان عاجزا عن توفير الأقوات في المناطق الأكثر تضررا، ومع توالي هجوم الجراد في السنة التالية وما بعدها، اشتدت أزمة الخبز، وتفشى الجوع، خاصة في المناطق الشرقية والجنوبية حيث اضطر الكثيرون إلى الاقتيات بالأعشاب، وقد جاء في جواب من السلطان إلى قواد الحياينة بتاريخ 13 شعبان 1311/ فبراير 1895: “وجدتم الناس يحفرون عشبة ايرني للاقتيات بها من عدم وجود الزرع بسبب جائحة الجراد”.

وقد استحكمت الأزمات بالبلاد في وقت كان المخزن يلاقي صعوبات كثيرة في سبيل توطيد سلطته، بحيث إنها جاءت لتعرقل سياسته المركزية وتشدد من عدم الاستقرار ومن الاضطرابات التي اندلعت بعد وفاة مولاي الحسن، وتولي السلطان مولاي عبد العزيز المهمة.

ونتيجة هذا الوضع الكارثي، ثارت الشاوية وهدد الدار البيضاء في غشت 1894، وفي الوقت نفسه ثارت دكالة وهددت الجديدة، ثم جاء دور الرحامنة وأحمر ومسيوفة وعدة قبائل أخرى من الحوز وسوس، وفي يونيو 1896، شقت قبيلة مزاب عصا الطاعة من جديد، وهاجمت ونهبت قصبة بني أحمد.

ويرى المؤرخ التاريخي، أن هذه الانتفاضات تشكل جزءا من التركة الثقيلة التي خلفها العهد السابق، ولا يمكن تفسيرها إلا بتراكم الغضب الشعبي الناجم عن عملية الافقار التي أفرزها التسرب الأوروبي داخل المجتمع التقليدي، إلا أن المصاعب الطبيعية أوجدت لدى المحرومين والجائعين، والعاطلين، روح التمرد والتذمر، مما يفسر حدتها وامتداد رقعتها الجغرافية، أضف إلى ذلك أن أزمة الخبز أرغمت الفقراء على أن يسرقوا لكي يعيشوا، وبانتشار السرقة، ازدادت الأوضاع ترديا، والتجارة الداخلية انكماشا.

وذكر محمد الأمين البزاز، أنه مع تواصل المصاعب الطبيعية في السنوات اللاحقة، ازداد الوضع تأزما، فقد تتالى الجفاف والجراد في سنوات 1896- 1898، وبلغ الجوع بالناس مبلغه، وكان في بعض الجهات أسوأ مجاعة 1878- 1883 في فكيك والمغرب الشرقي، وفي الريف، والحوز، ودمنات، حيث اضطر الكثيرون إلى الهجرة بحثا عن لقمة عيش، ومنهم من باع في سبيل الحصول عليها أولاده، وأهله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق