ثقافة وفنونهام

تيفوئيد 1878.. الوباء الذي ساوى بين الميسورين والمستضعفين في الموت

تمر مختلف دول العالم والمغرب على الخصوص، بلحظة حرجة اليوم جراء انتشار فيروس كورونا-كوفيد 19 بالبلاد، حيث أطلت أزمة الوباء على المغرب مرة أخرى، بعد اختفاء أخبار مثل هذه الجائحة في صفوف الأجيال الجديدة.

ويجمع العديد من المؤرخين بأن التاريخ لا زال شاهدا على ما تخلفه الأوبئة والمجاعات من أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية في أوساط المجتمعات، والمغرب من البلدان الذي مر بأزمنة صعبة جدا، عاش فيها أوقاتا حرجة أثرت على مساره الاقتصادي والاجتماعي بفعل الخسائر التي كان يتلقاها بشكل مستمر.

ومن خلال هذه الفضاء الرمضاني، ستعيد جريدة “نفس” تقليب صفحات تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وذلك من خلال تقديم قراءة في كتاب: “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر” الذي نشر خلال سنة 1992 للمرحوم محمد الأمين البزاز.

وسنقدم في هذا الركن سلسلة من الحلقات لأبرز محطات الأوبئة والمجاعات بالمغرب، وما كانت تنشأ عنها من خراب ودمار، وما تتركه من آثار بعيدة الغور في كافة الميادين، خصوصا وأن الأوبئة ما زالت تطفو على سائر الاهتمامات في كثير من أقطار العالم، نظرا لما تثيره من قلق وخوف في نفس الإنسان.

تيفوئيد 1878

مباشرة بعد إقلاع الكوليرا عن البلاد، والتي كما أشرنا في الحلقة السابقة أدت غلى وفاة الآلاف بعدما اجتاحت جل مناطق المغرب، ظهر وباء التيفوئيد، حيث ينقل الدكتور محمد الأمين البزاز، ما قاله الناصري عن هذه الفترة “وبعد هذا كله (الموت بالكوليرا والجوع) حدث الوباء بالحمى في أعيان الناس وأماثلهم فهلك منه عدد كبير”، إذ يشير الكاتب إلى أنه سبب هذا الوباء توفي حينها الصدر الأعظم موسى بن أحمد في محرم 1296هـ/يناير 1879.

ويؤكد د.البزاز أن الوباء بدأ بمراكش في نهاية 1878، وخلف بها 200 إلى 300 ضحية في اليوم، قبل أن يكتسح في بادية السنة الجديدة مجموع البلاد، مخلفا بمدنها وقراها خسائر تتفاوت درجة خطورتها بتفاوت المستوى الصحي والمعيشي للسكان.

ويبرز صاحب الكتاب أن الوباء داهم فاس في أوائل ربيع الأول 1296هـ/فبراير 1879م، حيث مات “خلق كثير دون إحصاء”، على حد تعبير ابن سودة. وفي تطوان كان يموت به في غضون يناير 8 إلى 10 أشخاص في اليوم، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه كان من الصعب إحصاء كل الموتى لكثرة الآفاقيين، وهو ما عبر عنه أحد السكان بقوله “والكثر الذي يموت غير معرفة لأجل البراني هنا مجدد وأكثرهم الذي يموت براني”، في إشارة منه إلى الغرباء عن المدينة، وأساسا منهم الآفاقيين والمتسولين الذين غادروا مدنهم وقراهم بسبب الجوع.

وفي نفس الفترة تقريبا، كانت مراكش ما تزال تعاني من ويلاته، إذ ينقل البزاز وثيقة بتاريخ فاتح فبراير جاء فيها أن “الدراويش لا يزال يموت منهم 30 إلى 40 في اليوم وأما أهل البلاد يموت منهم 6 إلى 4 لا غير”.

ولم تكن المدن الساحلية أفضل حالا، حسب تعبير صاحب الكتاب، ذلك أن عددا من الوثائق تؤكد ارتفاع عدد الموتى بالوباء في أزمور، والجديدة، والدارالبيضاء، والرباط، وسلا، وطنجة، وفي هذه المدينة الأخيرة كان الوباء خلال مارس ما يزال يحصد 12 إلى 17 من الأرواح، بيد أن هناك رقمين قياسيين سجلا في آسفي والصويرة حيث كان الفقر مدقعا، ففي ظرف ثلاثة أشهر قضي الوباء على 4000 ضحية من سكان المدينتين.

واستمر الوباء لأشهر، ذلك أن الدكتور البزاز يشير في كتابه إلى أنه في بداية يوليوز كان التيفوئيد ما يزال متفشيا في بعض الأقاليم، في العرائش، وفي القصر الكبير، حيث تفشى بين الجيش المرابط بالمدينة، وفي مكناس حيث تزامن مع “حركة” مولاي الحسن على قبائل بني مطير.

حركة الوباء

ينقل الدكتور الأمين البزاز عن ابن زيدان أن السلطان أحجم سنة 1878 عن “الحركة” شفقة على رعيته من الشدة: “ولما دخلت سنة خمس وتسعين بقي مقيما بمراكش شفقة على رعيته لما داهمها في تلك السنة حبس المطر وارتفعت بسببه الأسعار”، وبذلك فإن الجيش السلطاني لم يساهم فيما يظهر في انتشار الكوليرا التي تفشت في نفس السنة، وهذا على عكس ما وقع في السنة التالية، ففي جمادى الأولى 1296هـ/ أبريل 1879 غادر مولاي الحسن مراكش متوجها إلى عاصمته الشمالية، وليقود في الطريق القبائل المتمردة إلى الطاعة بعضا الإكراه، بعد أن أوقع بأيت عتاب، سار إلى تادلا، فزعير، ووصل إلى مشارف الرباط في شهر يونيو، وفي أبواب المدينة علق عددا من رؤوس الثوار لبث الرعب في قلوب قبائل زعير التي مارست أعمال اللصوصية في هذه السنة قرب المدينة، وبعد الرباط التي لم يطل مقامه بها، زحف إلى بني مطير الذين كانوا قد عاثوا فسادا في السبل، ولتفادي العقاب، وجهت القبائل وفودها وذبحت الذبائح أمام خيمة السلطان معلنة طاعتها وتوبتها، ففرض عليها غرامة رمزية واخذ عددا من أعيانها كرهائن ضمانة لحسن سلوكها في المستقبل.

ويقول البزاز إن هذه “الحركة” عرفت في المصادر المغربية ب”حركة الوباء”، حيث هلك خلالها عدد من الأنفس بالتيفوئيد، سواء في صفوف بني مطير أو بين جيش السلطان، وقد ورد في كناش عن رحلات مولاي الحسن ما نصه: “حركة الوباء ببلدة بني مطير، السفرة السادسة عام 1296هـ”. وفيما قال عنها صاحب “البستان”: “فصار الشرطي يتوجه لصناديدهم وأشدهم عتوا حتى يدخل خيمته ويقوده منها كالضأن حتى حدث بقدرة الله ريح وبائي في تلك الأرض، استشهد فيها عدد وافر من الجيش، فأمر السلطان بالرحيل والرجوع إلى مكناس”. وبعد دخوله إلى هذه المدينة الأخيرة، كان الوباء ما يزال متفشيا بين جيشه والموت كثير في صفوفه، وقدر عدد الضحايا بـ 300 جندي في يوم واحد، وقد أثار هذا الموت قدرا كبيرا من الرعب والفزع، فكثر هروب السكان بينما قام السلطان بإبعاد جيشه عن المدينة.

ويسجل الكاتب أن الوباء كان ساحقا ولم تسلم منه حتى الفئات الميسورة وكبار موظفي المخزن، كما أنه تفشى أيضا بين المستوطنين الأجانب، على عكس ما حدث بالنسبة للكوليرا، ففي مختلف الموانئ التجارية كالرباط والدارالبيضاء والجديدة والصويرة وآسفي يذكر ماثيوس أن التيفوئيد خلف عددا كبيرا من الضحايا وسط التجار الأوروبيين، وقد سقط ضحية له أيضا بعض القناصل والنواب القنصليين، ففي الصويرة فتك بقنصلي إيطاليا والبرتغال، وفي آسفي بنائب قنصل إيطاليا، وفي الجديدة بنائبي قنصلي البرتغال والنمسا.

ويوضح الكاتب أنه إذا كانت الفئات الميسورة لم تبق بمنجى فإن الفئات المستضعفة هي التي أدت أكبر ضريبة، كما أن أكبر الخسائر هي التي سجلت في المدن، حيث شكل الجوع والازدحام والقذارة دعامة أساسية لتفشي الأوبئة.

وكمثال على ذلك، قدم البزاز مدينة الصويرة، التي فتك بها الوباء في 1878، حيث يشير في البداية إلى أن المدينة وبالرغم من كونها في مقدمة المدن التجارية المغربية في ذلك العصر إلا أن النظافة بها كانت على نحو يوصف عموما بالإهمال، وكان سوء تصريف المياه الحارة، ومساوئ بيوت الخلاء وانتشار القاذورات بجوار الدور المزدحمة والمفتقرة إلى وسائل التهوية الكافية، يشكل تهديدا للصحة العمومية. وفي حي القصبة مقر العامل والتجار كانت المجاري الباطنية لا تتوفر على الانحدار الكافي لجر النفايات إلى البحر، ونظرا لعدم وجود أية مصلحة عمومية لتعهدها، كان كل مالك أو مكتر يتولى، عندما تصل الحالة حدا لا يطاق، إصلاح أو تنظيف المسرب الخاص بمسكنه غير مبال بما يلحقه من أضرار بجاره عن طريق ما يلقي به من نفايات على قارعة الطريق. وبالرغم من كون مياه الأمطار كانت تجرف هذه القاذورات وتطهر بذلك الحي، إلا أن الحالة كانت تسوء كثيرا في السنوات العجاف.

وبالرغم من ذلك، فالكاتب يؤكد أن حي القصبة كان يتمتع بظروف ممتازة بالنظر إلى الحالة المزرية في الحي الإسلامي المعروف بـ “المدينة”، أو بالحي اليهودي، هذا الأخير كان قد شهد في غضون 1866 وتحت إشراف قنصلية فرنسا بالصويرة إصلاحا مهما بفضل تبرعات الرابطة الإسرائيلية العالمية والميسورين من يهود المدينة، إلا أن الحالة كانت قد تدهورت كثيرا من جراء تزايد عدد سكان الملاح، وينقل البزاز تقريرا لطبيب فرنسي يسمى أوليف بتاريخ 3 أبريل 1878 يقول فيه إن الغرفة الواحدة كانت تأوي عددا كبيرا من الأفراد وأن النفايات كانت متراكمة عند مدخل المساكن وأن مجاري المياه الحارة كانت مكشوفة وتفوح منها رائحة النثانة التي لا تطاق.

ويسجل البزاز أن هذه الحالة كانت حالة نظافة المدينة عشية استقبالها أعدادا كبيرة من الجائعين والموبوئين، بفعل ظاهرة النزوح القروي، حيث شكلت مدينة الصويرة مركزا كبيرا لهذا الجذب السكاني، ولم تفلح محاولات المدينة في الدفاع عن نفسها ضد هذا الخطر الذي شكاه مجيء حشود ضخمة من القرويين الجائعين والموبوئين، إذ جاءت المبادرة من نائب المجلس الصحي بها وبدعم من الهيئة القنصلية، فكان جواب العامل هو التالي: “فاعلم بأن هذه البلدة بخلاف البلدان كما تعلمون.. فلا نقدر أن نخرق في ذلك عادة فالأمور بيد الله ونحن عبيد الله فلا يقدر أحد أن يتعرض على نفسه، بما قدره الله”. وبهذا الرفض باءت محاولة الدفاع بالفشل واستمر الباب مفتوحا أمام القادمين من كل الآفاق.

ويشير البزاز غلى أن الأصول الجغرافية لهؤلاء النازحين جد متنوعة، فبالإضافة إلى محيط المدينة المباشر توافد عدد كبير من حاحا ودكالة وسوس والحوز وكانوا يتكونون في معظمهم من فلاحين منكوبين ورعاة، وجاء الكثير منهم مع عائلاتهم، وحسب الأرقام فإن عدد السكان الأصليين كان يصل إلى 17 ألف نسمة، أما عدد الآفاقيين فقد ارتفع في غشت إلى 9000 نسمة، أي بنسبة 54 بالمئة, ومن هذا العدد هناك 3000 يهودي انحازوا إلى الملاح، أما الباقون من المسلمين فقد تكدسوا في الحي الإسلامي، ويشدد الدكتور الأمين البزاز على أن هذه الأرقام تقديرية وتقريبية ولم تكن ثابتة، إذ كانت تخضع للمد والجزر، فالكثيرون ممن أضعفهم الجوع وهدهم المرض، كانوا يموتون بمجرد وصولهم بينما كان المئات من البائسين يتسللون يوميا إلى المدينة ويعوضون الموتى..

الوفيات وأسبابها

ولتفسير عمل الوباء والأسباب المؤدية للوفاة، ينقل الدكتور الأمين البزاز مجموعة من التقارير التي تركها الطبيب الفرنسي أوليف والتي تحدث فيها عن الحالة الصحية بالصويرة، وكان قد حررها في طراوة الأحداث أي خلال صيف وخريف 1878، إذ أنها تبرز أن الوفيات الشهرية ظلت مستقرة في حدود 700 ضحية طيلة أشهر يوليوز، غشت، شتنبر، ثم قفزت في شهر أكتوبر إلى حوالي 900 ضحية لتبلغ ذروتها مع بداية البرد في نونبر، حيث بلغت 1600 ضحية، لتعود في الانخفاض نسبيا في الشهر التالي إلى 1200.

وبلغت محصلة الوفيات في الشهور الخمسة هاته 5789 ضحية، وذلك بمعدل 695 في الشهر، أو ما يعادل 22 بالمئة من مجموع السكان (26 ألف نسمة، منهم 9000 من الآفاقيين)، ويخلص صاحب الكتاب إلى أن هذه الأرقام تعكس فداحة الخسائر، مع العلم أن هذه الأشهر لا تمثل سوى المرحلة الأولى من الأزمة الديمغرافية التي استمرت بين مد وجزر إلى غاية 1883، دون أن تتخللها سوى استراحة قصيرة عام 1881.

ويسجل البزاز أن معدلات الوفيات كانت تختلف في الصويرة بين سكان القصبة والملاح اليهودي والحي الإسلامي، إذ تقل بشكل كبير في الأولى، وبشكل متوسط في الثاني وبشكل أكثر فداحة في الحي الثالث، وذلك بسبب بنية المدينة ونقص النظافة وكثرة الازدحام، كما سبق الذكر، كما يسجل صاحب الكتاب أن سبب الوفاة لم يرتبط فقط بحمى “التيفوئيد” وإنما أيضا بالجدري والحصبة والإسهالات الحادة، وهي أمراض كانت تصيب جميع الأعمار، وكانت أكثر ما تصيب الأطفال.

ويخلص البزاز إلى أن حمى التيفوئيد كانت جزءا من الأوبئة التي عصفت بالمغرب ابتداء من سنة 1878، وتركت خسائر فادحة في الساكنة، قدرت في بعض المدن بالآلاف، كما أنها وإلى جانب الكوليرا، وجدت أجساد المغاربة سهلة في الفتك، خصوصا في ظل سنوات من الجوع عصفت بالبلاد واستمرت سنوات بعد ذلك إلى حدود 1883..

ومن نتائج هذه المجاعة وهذه الأوبئة الفتاكة أنها أودت بحياة العديد من السكان، وسفير إيطاليا بطنجة عدد الضحايا بربع مجموع السكان، بينما قدره ماثيوس في السنة التالية بحوالي الخمس، من جهته أكد قنصل إسبانيا في العرائش أن وباء التيفوئيد قضى وحده على ثلث عدد السكان، وسفير بريطانيا فلم يتردد في القول في أبريل 1879 إن نصف سكان سوس وحاحا هلك جراء المجاعة، وأخير قدم كامبو نسبة الثلث كحصيلة كلية للخسائر لمجموع المغرب.. ويشدد البزاز على أن هذه الأرقام في جلها تبقى تقديرية وينبغي التعامل معها بحذر، مع التأكيد على الخسائر كانت في عمومها فادحة..

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق