أخبار مميزةحقوق الإنسانربورطاجاتهام

العنف الزوجي .. نساء يحكين معاناتهن خلال الحجر الصحي

خلال هذه الظرفية الصعبة التي تعيشها عدد من دول العالم بسبب تفشي جائحة كورونا، عمق الحجر الصحي معاناة النساء المعنفات بحكم اضطرارهن البقاء  في البيوت لمدة طويلة مع معنفيهن. وتصطدم  النساء المعنفات بصعوبة الخروج والتبليغ عن تعرضهن للعنف الجسدي أو معنوي بسبب فرض حالة الطوارئ الصحية.

وبالإضافة إلى الضغوط النفسية التي خلفها الحجر الصحي، يثقل كاهل النساء المعنفات أعباء نفسية وجسدية أخرى، إذ يتحملن العنف الجسدي والمعنوي من قبل أزواجهن من جهة ويحملن هم حماية أطفالهن الذين يعانون في غالب الأحيان من العنف ذاته.

الحجر والعنف.. معاناة مزدوجة 

جريدة “نفس”، ربطت الاتصال بنساء تعرضن إلى العنف الأسري خلال فترة الحجر الصحي، لجأ بعضهن إلى مراكز الاستماع والمواكبة، للحصول على الدعم النفسي، وأخريات فضلن البقاء صامتات خوفا من أزواجهن وحفاظا على بيت الزوجية بالرغم من مرارته.

“أصبحت أتمنى أن يصاب أحدنا بالمرض لكي لا نبقى تحت نفس السقف” تقول حياة إحدى ضحايا العنف المنزلي في حديث لجريدة “نفس”.

حياة، تبلغ حياة من العمر 40 سنة، زوجة وأم لأربعة أطفال لم تتمكن من إكمال دراستها الجامعية التي طالما حلمت بها بسبب زواجها من شخص كانت تظن أنه الزوج المناسب. ومنذ بداية الحجر الصحي ارتفعت حدة عنف الزوج تجاهها وتجاه أطفالها، “لم نعد نعرف معنى للراحة النفسية، إذ يبحث على أبسط الأشياء حتى يجد سببا لإهانتنا، وينتهي به الأمر بضربي أو تعنيف أطفاله”.

تسترسل حياة “عادة، قبل الحجر الصحي، كان يذهب إلى العمل منذ الساعة 8 صباحا ويرجع وقت العشاء، الآن أصبحنا نواجه بعضنا البعض لمدة 24 ساعة، نسكن في شقة “سكن اقتصادي” حيث يستحيل الهروب إلى مكان آخر. في نهاية الأسبوع الماضي وصل به الأمر إلى التهديد بالقتل بسبب ملاحظات حول الأكل”.

وتضيف  “طلب مني مؤخرا الذهاب رفقة أبنائي إلى منزل والدي لأنه لم يعد يطيق النظر في أوجهنا”، لم ترضخ حياة لطلبه لأنها تعتبر بيت الزوجية حقها هي وأبنائها. وأكدت المتحدثة ذاتها أنها عملت على الاتصال بمركز للاستماع لطلب المساعدة، حيث تم ربطها بمحامية وطبيبة نفسية لتمكينها من المرافقة اللازمة خلال هذه الأزمة.

من جهتها أوردت حنان، 37 سنة، وهي معلمة بالسلك الابتدائي، أن تعرضها إلى العنف على يد زوجها الذي فقد عمله بسبب حالة الطوارئ الصحية، أصبح يشكل روتينا عاديا بالنسبة إليها  “فإن لم يكن ضربا أو شتما، يكون عبارة عن تجاهل وبرودة دم تجاهي” تصرح حنان لـ”نفس”.

وعبرت المتحدثة من ندمها لعدم التبليغ سابقا عما كانت تتعرض له حتى قبل أيام الحجر الصحي، لأنها كانت تعتبر أن زوجها يمكن أن يتغير إذا حظوا بمزيد من الوقت رفقة بعضهما البعض، غير أنها صدمت بتزايد وثيرة العنف وتضاعفه.. “قبل الحجر الصحي كنت أتعرض إلى العنف لكنه يعود ملتمسا السماح فأسامحه، الآن يقول لي هذا كل ما تستحقينه”، وتضيف “تحولت حياتي إلى جحيم ولم أعد أستطع التفكير في شيء سوى الهروب من هذا البيت، لكن لا أعرف أحدا في هذه المدينة ولا يمكنني خرق حالة الطوارئ الصحية”.

وبخصوص قيامها بالتبليغ عن زوجها في هذه الفترة، قالت حنان إنها فكرت في الأمر لكنها لا ترغب في المخاطرة بحياتها خصوصا إذا تم الإفراج عنه بعد الإستماع إليه، “فكيف يمكنني البقاء معه في منزل واحد دون الإحساس بالخطر وأنا حاولت الزج به في السجن”.

عنف من نوع آخر تعيشه سمية (اسم مستعار)، فزوجها لا يفوت أي فرصة لإهانتها بألفاظ مؤذية وبذيئة في حقها وحق عائلتها، “لم يعد يطيق النظر في وجهي، يطلب مني عدم الجلوس بنفس المكان إلى جانبه، فبمجرد أن يلمحني بنظره ينهال علي بالسب والقذف في شرفي” تبوح سمية لـ”نفس”.

وأوضحت سمية، أنهما من عائلة ميسورة وما يقوم به ليس بسبب ضغط مادي يعاني منه، إلا أنه “يتلذذ بتعذيبي نفسيا وإهانتي، وبذلك يغذي غروره ويجعله يحس أنه أكثر رجولة”، مشيرة إلى أنها أصبحت تعاني من اضطرابات نفسية تجعلها تفكر في الانتحار أحيانا بسبب إحساسها بالذل والمهانة.

وتبقى سمية عاجزة عن التبليغ أو تقديم شكاية ضد زوجها، لأنها لا تملك أي أدلة ملموسة لذلك كون العنف الذي تتعرض إليه نفسيا، مضيفة ” إذا تقدمت بشكاية ضده سيطلبون مني الدليل وأنا لا تظهر علي أي علامات، فما أتحمله  أكثر بكثير من العنف الجسدي، أحس بأنني أنكسر في صمت”.

وتستفيد سمية حاليا، من المرافقة النفسية لدى أحد الأطباء النفسيين الذين وضعتهم منظمات حقوقية مغربية رهن إشارة النساء المعنفات، إلا أنها ترى أن ذلك ليس كافيا خصوصا وأنها تجد نفسها في مواجهته مباشرة بعد انتهاء حصة المواكبة النفسية.

المجتمع المدني يدق ناقوس الخطر 

فور بداية فرض الحجر الصحي، سارعت عدد من الجمعيات الناشطة في مجال محاربة العنف ضد النساء إلى توجيه مراسلة لجميع المتدخلين في مجال حماية النساء ضحايا العنف المنزلي، بما في ذلك وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، ووزارة العدل، واللجنة الوطنية لحماية ضحايا العنف من النساء، ورئاسة النيابة العامة، ووزارة الصحة، قصد التدخل السريع والاستجابة للاحتياجات العاجلة لضحايا العنف الأسري والإعتداء الجنسي، خلال هذه الظروف العصيبة.

تقول سعيدة كوزي، شريكة مؤسسة في منظمة “إمرأة شركاء للتعبئة حول الحقوق”، إنه بعد توجيه المراسلة التي وقعت عليها 27 جمعية نسائية لطلب التدخل الاستعجالي للسلطات لحماية النساء ضحايا العنف، تبعه اتخاذ الجهات الحكومية عدد من الاجراءات، من قبيل إصدار وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة، لإعلان خاص بالنساء في وضعية هشة الذي نعتبره جد فضفاض بالمقارنة مع واقع النساء ضحايا العنف، فضلا عن وصلات تحسيسية بخطورة العنف ضد النساء خلال فترة الحجر المنزلي.

وتشير الناشطة الحقوقية، في تصريح لجريدة “نفس”، إلى أن المنظمة في طور تجميع المعلومات حول المبادرات التي قامت بها الجهات المعنية، معتبرة أن الإجراءات المتوفرة لحد الآن يصعب الوصول إليها من طرف النساء ضحايا العنف، متابعة “ما الفائدة من وضع إجراءات لا يمكن للمعنيات الاستفادة منها؟”.

من جهة أخرى، نوهت كوزي بالاجراءات الأخرى التي اتخذتها النيابة العامة، حيث وضعت هذه الأخيرة منصات تمكن النساء من وضع شكاياتهن، وتوفير المعطيات اللازمة التي ستمكن النساء من التبليغ عن العنف، مشيرة إلى أنها خطوات أولية إيجابية يمكن تطويرها في المستقبل.

وتوضح المتحدثة ذاتها، أن الظروف الحالية لفرض عدم التنقل، صعبت بشكل كبير على النساء التبليغ عن العنف المنزلي، خصوصا وأنهن تواجهن صعوبة كبيرة في التواصل بالجمعيات ومراكز الاستماع، مؤكدة أن الجمعيات مستعدة لتقديم الدعم النفسي والمرافقة القضائية لضحايا العنف.

وأبرزت، أن عدد من المراكز والجمعيات، وضعت أرقام هواتفها لدى الصيدليات، وأصحاب المحلات التجارية وبائعي الخضر حتى تتمكن النساء من الاتصال بها، معتمدة بذلك سياسة القرب لصالح النساء اللواتي لا يتوفرن على إمكانية الولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام.

ولفتت الخبيرة في مجال حقوق الإنسان، الانتباه إلى أنه على الرغم من المجهودات المبذولة إلا أن فعاليتها تبقى ضعيفة نوعا ما، بسبب عدم وجود حماية قانونية للضحايا عبر إعطاء تعليمات للشرطة للانتقال الفوري إلى المنازل في حالة العنف المنزلي، حتى في حالة عدم وجود أمر من النيابة العامة.

هذا ويظهر ذلك جليا من خلال المعطيات الأخيرة الصادرة عن النيابة العامة، انخفاض عدد المتابعات من أجل العنف ضد النساء عشر مرات عن المعدل الشهري العادي، غير أن ذلك لا يعني تراجع العنف ضد النساء، حسب كوزي، بل يظهر عجزهن على التبليغ بسبب تواجدهن مع المعتدي بنفس الفضاء طيلة اليوم.

وفي هذا الصدد طالبت عدد من هيئات الحقوقية، بإصدار أوامر الحماية الفورية كإجراء وقائي حتى في حالة غياب أحكام جنائية نهائية أو حتى قبل الشروع في المتابعة وغيابها، فضلا عن إصدار توضيح بكون التنقل لحضور الجلسات بالمصالح الأمنية وغيرها من الخدمات المتعلقة بالعنف تعتبر ضمن “أسباب ملحة” الواردة في شهادة التنقل الاستثنائية الممنوحة من أعوان السلطة.

كما دعت  إلى فرض العقوبة القصوى على جميع الجنح المرتبطة بالعنف المرتكب ضد النساء خلال هذه الفترة، وإلى عدم تمتيع المعتدين المحكوم عليهم بإحدى الجرائم المرتبطة بالعنف ضد النساء خلال هذه الفترة بأي عفو أو تخفيض في عقوباتهم الحبسية مع التأكد من إشعار الضحايا باحتمال إطلاق سراح المعتدي وضمان سلامتهم وأمنهم.

 

148 متابعة بدلا من 1500 متابعة شهريا في الأحوال العادية

مذكرة لرئاسة النيابة العامة، صدرت قبل أيام، تفيد معطياتها أن عدد المتابعات من أجل العنف ضد النساء قد انخفض خلال الفترة ما بين 20 مارس المنصرم و20 أبريل الجاري، عشر مرات عن المعدل الشهري لهذا النوع من القضايا.

وسجلت النيابات العامة بمجموع محاكم المملكة خلال الفترة المذكورة ما مجموعه 892 شكاية تتعلق بمختلف أنواع العنف ضد النساء بشتى أنواعه الجسدي والجنسي والاقتصادي والنفسي، بينما تم تحريك الدعوى العمومية في 148 قضية فقط من هذا النوع، في انتظار انتهاء الأبحاث في باقي الشكايات.

وأوردت معطيات النيابة العامة، أنه تم تسجيل 148 متابعة بدلا من 1500 متابعة شهريا في الأحوال العادية، حيث تمثل هذه النسبة حوالي 60 في المائة فقط من المعدل المسجل في الأحوال العادية من قضايا العنف ضد النساء.

وتضع النيابة العامة رهن إشارة المواطنين التبليغ عن طريق الشكاية الإلكترونية عبر حسابها [email protected]، والتبليغ عن طريق الحسابات الإلكترونية للنيابات العامة بمختلف محاكم المملكة المذكورة عناوينها بالموقع الرسمي لرئاسة النيابة العامة، والتبليغ عن طريق الأرقام الهاتفية المخصصة للشكايات بالنيابات العامة لدى مختلف محاكم المملكة، والمعلن عنها بمناسبة فرض الحجر الصحي في بلاغات للرأي العام، والمتوفرة على موقع رئاسة النيابة العامة.

كما تم وضع منصة الهاتفية “كلنا معك” للاتحاد الوطني لنساء المغرب على الرقم الهاتفي المجاني 8350، والتي تتلقى شكايات النساء طيلة أيام الأسبوع وعلى مدار الأربع وعشرين ساعة وتنقلها فورا إلى النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية المختصة، بالإضافة إلى التبليغ بالوسائل الكتابية التقليدية، فضلا عن تخصيص لجان جهوية للتكفل بالنساء ضحايا العنف من أجل تلقي شكايات النساء.

 

خلايا جهوية للاستماع رهن إشارة النساء 

في سياق متصل، أطلق الاتحاد الوطني لنساء المغرب شبكة وطنية للمواكبة النفسية والاجتماعية عن بعد، عبر تفعيل 12 خلية إنصات بكل جهات المملكة خلال فترة الحجر الصحي، بهدف الاستماع إلى النساء والشباب والأشخاص في وضعية هشاشة والتخفيف من عزلتهم خلال فترة الحجر الصحي، وكذا الإرشاد والتوجيه بشأن البدائل المتاحة من أجل الحفاظ على التماسك الأسري عبر الوقاية من النزاعات وحماية النساء والفتيات من كل أنواع العنف، فضلا عن اليقظة والإرشاد حول مستجدات التدابير المتخذة من طرف الدولة والمؤسسات خلال فترة الحجر الصحي.

ووضعت الشبكة رهن إشارة المتصلين، متخصصين في مجال علم النفس وعلم الاجتماع، وأخصائيين في الاستشارة النفسية والاجتماعية ومساعدين اجتماعين، فضلا عن مختصين في الوساطة الأسرية، حيث يمكن للراغبين في الاستفادة من المواكبة والإنصات الاتصال بأرقام هواتف مخصصة لكل جهة على حدة.

ويستقبل المتخصصين في علم الاجتماع الاتصالات من يوم الإثنين إلى الجمعة ابتداء من الساعة التاسعة صباحا إلى الساعة  السادسة مساء، كما يجيب عن أسئلة المستفيدين المواكبين النفسيين والمختصين في الوساطة الأسرية من الاثنين إلى الأربعاء من الساعة العاشرة صباحا إلى الثانية بعد الزوال، أما خلال أيام آخر الأسبوع، فتعمل الخلايا ابتداء من الساعة الثانية بعد الزوال إلى غاية الثامنة مساء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق