الرأي

الأخبار الزائفة بوسائط التواصل بين التقنين والتربية الإعلامية

في ظل انتشار فيروس كورونا المستجد تواجه وسائل الإعلام والاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي في ظل الثورة الرقمية تحديات متنوعة، من بينها كسر احتكار الإعلاميين، لمجال الأخبار والمعلومات، وأجهزت التكنولوجيات الحديثة على التى راكمها الإعلام من مكتسبات على مر الأجيال وخاصة منها الصحافة المكتوبة التي كانت فاعلة إلى وقت قصير في السيطرة على فضاءات التواصل وتشكيل الرأي العام.

وإذا كان من إيجابيات التكنولوجيات الحديثة، تمكين مختلف الشرائح الاجتماعية من الحصول على المعلومات بنقرة واحدة على هاتف ذكي أو لوحة الكترونية، وبسهولة فاقت كل التوقعات، فان ذلك فرض على وسائل الإعلام والاتصال، التفاعل الايجابي مع هذه التحولات، عبر البحث عن السبل الكفيلة  بضمان معالجة  مهنية للسيل الهائل من المعلومات التي وفرتها الثورة الرقمية.

ومكنت هذه المتغيرات التقانية، من توسيع هوامش حرية التعبير وفضح الخروقات وتوسيع دائرة التضامن، ونقل مختلف الآراء، والرفع من منسوب الرقابة على السلط، يمارسها الرأي العام، وهو ما كرس بطريقة ما، نوعا من المساواة بين مختلف الفئات الاجتماعية بغض النظر عن مواقعها ومسؤولياتها، فضلا عن تعزيز دور ” النضال الالكترونى” في نشر ثقافة حقوق الإنسان على نطاق واسع والمساهمة في تكريس قيم الديمقراطية،واختراق أعتى الأنظمة المنغلقة.

غير أن هذا التحول رافقه بالمقابل، إشكالات سلبية عديدة، في مقدمتها ترويج الأخبار الزائفة وعدم احترام الحياة الخاصة للأفراد وممارسة الابتزاز والتضليل، مما يفرض على الفاعلين البحث عن الوسائل القمينة بالحد من التأثيرات السلبية لهذا النوع الجديد من التواصل، على أساس ضمان حرية التعبير والشفافية واحترام الحق في المعلومات، عوض الانزياح المبالغ فيه نحو تغليظ التشريعات والقوانين ومحاولات التقنين والزجر والتحكم في الفضاء الأزرق،  أظهرت التجارب المختلفة محدوديته، بل وفشله أيضا.

وعلى مستوى الإعلام والاتصال، ساهمت الثورة  الرقمية  في إفلاس بل وانقراض عدد كبير من وسائل الإعلام التقليدية خاصة منها الصحف الورقية التي وان استمر بعضها في الصدور، فانه يعيش في واقع الأمر “قصة موت غير معلن” ، ونتج عن ذلك، فقدان الآلاف من الصحفيين لوظائفهم، مما قلّص مصادر الأخبار التي كان يحتكرها الإعلام التقليدي من صحافة مكتوبة وراديو وتلفزيون، وهو قلص رغم توسع مساحات حرّية التعبير. من فرص الوصول إلى الأخبار الموثوقة

فانتشار الأخبار الزّائفة التي تنتشر أسرع من الأخبار الموثوقة، بالشبكة العنكبوتية، وغياب الضمير السياسي للفاعلين والاتجار بالثورة الرقمية، كلها عوامل ساهمت في” زعزعة منظومة الإعلام الجماهيري وإنهاكها /.. / وتهديد أسس الديمقراطية ” حسب أيدن وايت رئيس المنظمة الدولية للصحافة الأخلاقية الذي اعتبر أن الإعلام المقيد بالمعايير الأخلاقية “يعد ضرورة لكسب ثقة الجمهور، اعتبارا لأن  القيم الأساسية – مثل الدقة والاستقلالية والمعالجة المسؤولة للأخبار – التي تطورت على مدى الـ 150 سنة الماضية، تظل قيما ثابتة وعلى نفس الأهميّة، حتى في هذا العصر الذي تطغى عليه الرقمنة.

إن هذا الأمر دفع البعض إلى اقتراح “تأسيس شراكة جديدة” مع جمهور وسائل الإعلام والاتصال وصناع السياسة، لإقناعهم بضرورة تعزيز دور الصحافة الأخلاقية، وباستخدامها كمصدر إلهام لوضع برامج جديدة للتربية على وسائل الاتصال والإعلام. غير أن المشكلة المطروحة في هذا الصدد، تكمن في أنّ الشركات الكبرى للتكنولوجيات الحديثة المهيمنة على سوق وسائل الإعلام والاتصال، تساهم بطريقة أو أخرى في ترويج المعلومات والأخبار، بدون التأكد من مصادرها الموثوقة، لأن ما يهما هو استقطاب أكبر عدد من نقرات المبحرين و” ليكات” في العالم الافتراضي، فضلا عن محاولات السلطة في التأثير على استقلالية وسائط الاتصال.

و للخروج من هكذا وضع هناك من يقترح ” حلا وسطا ” يتمثل في قيام مؤسسات التكنولوجيات الحديثة، بدور الناشر في هذا العصر الرقمي عبر تشغيل الصحفيين المهنيين الملتزمين بأخلاقيات المهنة، وذلك لمواجهة الخطر الداهم الذي يشكله تسويق المعلومات  والأخبار الزائفة، كما يؤكد مخترع شبكة الإنترنت تيم برنرز-لي، الذي حذر سنة 2017 في رسالة مفتوحة، بمناسبة الذكرى 28 لإنشاء الإنترنت من الخطر البالغ الذي يشكله تسويق وتعميم المعلومات الخاطئة والأخبار الزائفة، ومن مغبة وقوع عالم الإنترنت تدريجيا تحت هيمنة الحكومات والشركات الرقمية أيضا.

إلا أن العديد من الأسئلة تطرح في هذا السياق، خاصة على مستوى المحتويات ومضامين الرسائل المطلوب التقيد بها، وحدودهما وكذا طرق معالجة الأخبار والمعلومات، وطبيعة التشريعات والقوانين والتنظيمية، ومواثيق تخليق الممارسة الإعلامية والتواصلية، كفيلة بالتصدى لأمواج الأخبار الزائفة  التى اعتبرها البعض بأنها أشد فتكا من فيروس كورنا المستجد.

لقد أبانت جائحة فيروس كورونا، الحاجة الماسة والقصوى إلى يقظة إعلامية وتواصلية جديدة  تمكن الرأي العام من التفاعل إيجابا مع الإجراءات والتدابير الاحترازية المتخذة للحد من انتشار كوفيد 19 المستجد والتي لا تمثل كل الحل، وإنما جزءا من هذا الحل لرفع التحديات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية التي تطرحها خطورة جائحة فيروس كورونا التي باغتت العالم بانتشارها وخطورتها.

إن الظروف الصعبة التي تجتازها البلاد حاليا، هي فرصة لعلاج الكثير من الانحرافات من بينها ما طال المشهد الإعلامي، ” جراء – ما كتبته اليوم الأربعاء إحدى الصحف الوطنية بنسختها الالكترونية – التشرميل الذي يختفي وراء الانفتاح الذي أتاحته وسائط التواصل الاجتماعي، لن يكون في بلاغات التوضيح التي تناسلت في الآونة الأخيرة، بل بفرملة  بعض المجارى ” الإعلامية”، وذلك في ظل “مشهد منفلت تماما لا علاقة له بالإعلام ولا بالصحافة” في زمن ” الحاجة إلى الخبر اليقين والمعلومة الصحيحة.. عوض  الهرولة نحو ” البوز” و”الايكات””  حسب الصحيفة ذاتها.

جمال المحافظ- صحفي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق