الرأي

الأمراض الحضرية الجديدة في زمن كورونا

للأسف بات يتأكد كل يوم، أن العالم ليس بخير، وأن صحة الإنسان باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى!
فغالبا ما كنا نعتقد أن القوى العظمى، والديموقراطيات العتيدة، بيدها كل وسائل الهيمنة والسيطرة على العالم.، وبيدها جميع ” الحلول” من خلال ما تملكه من أنواع الأسلحة العسكرية والكيماوية..وما لديها من أنظمة إجتماعية و حمائية واقتصادية ومعلوماتية واستخباراتية، مما يميزها عن باقي الدول التابعة والمتخلفة والسائرة في طريق النمو، خاصة وهي التي تقرر في مصير العالم، وهي من تصنع الحروب وتدعو إلى السلم، وهي التي تلوث البيئة وتنظم ” الكوب”، وهي التي تصدر القوانين وتوقع على الاتفاقيات والتعهدات والبروتوكولات الدولية، وهي من تخترقها. وهي من تعطي للعالم الدروس في مواد وشعب حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، وهي من من تخلق الكيانات الوهمية ومنظمات وجمعيات تابعة لها…
هي التي تمنح جائزة نوبل للسلام للعلماء وللأطباء…و تخلق جوائز ومنح مالية للفاعلين الحقوقيين والسياسيين والفنانين والرياضيين…وهي من تشعل الفتن وتصدر أزماتها الداخلية إلى بلدان بعيدة عنها…
قد تطول لائحة الضغط والاضطرابات البيئية والاقتصادية والصحية والاجتماعية والسياسية التي تسببها هذه القوى ومدنها الميتروبوليتانية، وقد نشعر بالعجز كلما أردنا رصد انعكاسات هذه التحولات الجارية..لكن ما تعيشه اليوم المدن الكبرى والمتوسطة الحجم، من انتشار مهول للأوبئة بشكل عام، و لوباء كرونا فيروس بشكل خاص، يجعلنا في لحظة عجز مملة، نتابع الأخبار الزائفة ونتقاسمها. نسمع للمشعوذين والتافهين لقتل زمن الحجر الصحي، ونتبادل النكت ” البايخة” لنستهزء من بعضنا البعض.
ننصح الناس بما لا نؤمن به، ونتحول بين عشية وضحاها إلى أنبياء وإلى فقهاء، وإلى محللين ومعلقين، وباحثين ومختصين في الصحة العمومية، وإلى إعلاميين و حقوقيين وإلى فاعلي الخير والإحسان وإلى و إلى وإلى…
العديد من الدراسات والنظريات كانت تؤكد على احتمال ظهور الأمراض والأوبئة والفيروسات في المناطق القروية والريفية، لكن ما نعيشه اليوم يؤكد عكس ذلك. المناطق الحضرية والمدن العملاقة والكبرى والمتوسطة الحجم، هي التي تنشر الأوبئة وتحولها إلى جائحة، وهذا خطير جدا على المسنين والنساء الحوامل، وعلى الشباب كذلك. وطبعا حتى بعد الشفاء، ستحمل الأجيال المقبل تشوهات خلقية وغيرها.
إن التزايد المستمر والسريع للتحضر، وغزو البيئة، والسيطرة على منابع الخيرات الطبيعية، واستغلال الماء بطرق لا عقلانية، وانتشار الحرائق في الغابات، وغيرها من جرائم الإبادة الجماعية للعديد من الحيونات والنباتات والطيور، كلها عوامل ساعدت على ظهور وانتشار الأمراض الفيروسية خاصة في المناطق الحضرية وشبه الحضرية، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية الأخرى كالتصحر والجفاف والفياضانات والزلازل و الاحتباس الحراري.
وبالإضافة إلى المخاطر التي تشكلها العوامل المعدية، وجميع المشاكل البيئية، هناك تحديات جديدة تنتظرنا، وهي تحديات مرتبطة بالمساواة بين البشر، و بفعلية الحق في التنمية المتكافئة والمستدامة، ولاسيما في سياقات النمو القوي للتفاوتات الاجتماعية التي تعتبر الأطروحة الرئيسية للطريق الرابع.
إن ارتفاع نسبة التمدن والتحضر بات من الأخطار الكبيرة التي ستؤدي إلى أمراض مزمنة، مرتبطة بالضوضاء والضغط النفسي، والاضطرابات النفسية، وضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والربو، ومرض السكري، والحساسية والسمنة، وانعدام الأمن، وانتشار الجريمة، وانتشار مواد استهلاكية مضرة بالصحة، بالإضافة إلى ظهور لوبيات جديدة لا تشفق ولا ترحم، ستزيد من هيمنتها وسيطرتها على انتاج الأدوية، واللقاحات المضادة للفيروسات.
لا يجب أن نصدق الأخبار الزائفة، والصحافة الصفراء، وشبكات التواصل الاجتماعي العمياء، لكن هناك بعض الفرضيات يجب أن علينا أن نختبرها ونناقشها، ونستعمل العلم ومناهجه لفهمها.
وللذاكرة والتاريخ، نستحضر ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، حين اجتمع ” مجلس أثرياء الولايات المتحدة الأمريكية” ليناقش خطر المدن الكبرى و النمو الديموغرافي في بلدان آسيا، وفي مقدمتها الصين الشعبية والهند وإلى حد ما كوريا الجنوبية. حيث اعتبر ذات المجلس، أن النمو المتسارع للسكان، يهدد مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية والرفاه الذي باتت تنعم به!
وفي وقت وجيز، اجتمع العديد من الأطباء وعلماء الديموغرافيا، ورجال العلم والبحث ورجال الأعمال مثل روكفلر 3، وشخصيات تجمع بين المال والسلطة، وقرروا خلق ” مجلس السكان” Le Conseil de la population
لمراقبة النمو الديموغرافي والحد من نسبة الولادات، للحد (في نظرهم!) من المجاعة والفقر. حيث اعتبروا أن الارتفاع الديموغرافي المهول، مثل السرطان الذي يجب استئصاله بدل علاجه. بل هناك من شبهه ب “القنبلة ب” كما جاء في كتاب La bombe B سنة 1967. و قدر آنذاك إستثمار الأغنياء في هذا المشروع بالملايين. طبعا، لا يمكن أن ننسى المأساة والجراح والآلام التي خلفتها قرارات هذا المجلس، وما تبعه من تنفيذ لمخطط قسري وشامل، استهدف “تنظيم الأسرة”، والحد من الزيادة في الولاداة، وجبر النساء على الإجهاض و التشجيع على تناول حبوب منع الحمل، وزرع اللولب داخل الرحم…وكل هذا مقابل الغذاء! لكن المهم الذي لا يجب أن ننساه كذلك، هو أن الرئيس الأمريكي أنذاك ” ليندون جنسون” اشترط الحصول على المساعدة الغذائية بالحد من الإنجاب، خاصة وأن الهند في تلك المرحلة كانت تعاني من جفاف حاد وقاتل، بل أجبر “انديرا غندي” على الانبطاح لهذا القرار.
وأمام هذا التحول الوبائي القاتل، ماذا قدم الآن Le Conseil de la santé مجلس الصحة الأمريكي؟ مع العلم أن هذا المجلس لازال على قيد الحياة، وإلى جانبه “مؤسسة فورد” و “مؤسسة روكفلر”..ومؤسسات أخرى سنتحدث عنها في مناسبات قادمة.
وفي الأخير، وكيفما كان الحال، لا يجب أن ينسينا فيروس كورونا ملايين الضحايا الذين عانوا ولا زالوا من الأمراض المزمنة، وهم بالملايين اليوم، ناهيك عن الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، وهي أمراض تنتشر في الأوساط الحضرية بشكل كبير، وتمتص أزيد من 50% من التأمين الصحي والرعاية الصحية المتعلقة بالأمراض المزمنة، وما يقرب 80% من جيوب الضعفاء والفقراء الذين لا دخل لهم، بالإضافة إلى الأمراض المعدية مثل الإيدز. وهو ما يدخل في صلب اهتمام الطريق الرابع، الذي يطمح لفهم وتفسير تأثير المدينة، بشكلها وتنظيمها ووظائفها، على الصحة الجسدية والعقلية، وكيف يخلق سوء التخطيط الحضري بيئة مادية واجتماعية تشكل عامل خطر على المواطنات والمواطنين.
إن العالم يعيش اليوم ثورة بيئية حقيقية، بعد ثورة باستور، وكما يشهد التاريخ، لقد أدت الأزمات الصحية لصناعة التخطيط الحضري. فخلال الأزمات الوقائية الكبرى والمختلفة التي شهدتها البشرية، مثل الكوليرا، لم يكن الطب أنذاك في مستوى مواجهة الوباء، وتم التفكير في خلق بدائل جديدة أكثر نفعا ونجاعة، تمثلت في التخطيط الجيد للمدن وخلق المساحات الخضراء، والاعتناء بالبحث العلمي و البيئة والتعليم، وبناء المستشفيات…
إن المدن الكبرى، ستظل خطرا كبيرا على صحة الملايين من سكانها، إذا لم يتم حل المشاكل الصحية عن طريق الشمس والهواء والضوء…لكي يموت فيروس كورونا، ولكي لا يعود الطاعون الأبيض.
المريزق المصطفى – أستاذ باحث في علم الاجتماع، فاعل مدني وحقوقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق