الرأيهام

نحن في حالة طوارئ صحية ولسنا في حالة استثناء

لنبقى في منازلنا ولنلتزم بالإجراءات المعلن عنها

أجبر تفشي وباء”كورونا-كوفيد-19″العديد من الدول عبر العالم على اعتماد تدبير سياسي استثنائي لشأنها الداخلي أو في علاقاتها الخارجية، وحتى منظمة الصحة العالمية أوحت بذلك منذ إعلانها اعتبار”كورونا- كوفيد-19″وباء عالميا.
هذا الوضع جعل الحديث يتكثف حول ما إذا كنا بصدد” حالة استثناء”كما يفهمها الفاعلون السياسيون أو تعرفها أدبيات القانون الدستوري والعلوم السياسية.
بالنظر إلى وقائع وسياقات المرحلة التي نحياها اليوم، فالأمر يتعلق ب”حالة طوارئ صحية”، ولا علاقة لذلك بحالة الإستثناء أو حالة الحصار ، اللتان يمكن فهم طبيعتهما بالعودة إلى الفصول: 49، 74،59 من دستور 2011، ذلك أن القانون الأسمى في المملكة يحدد هنا مفاهيم الوضعيتين وشروطهما وشكليات إقرارهما ضمن الصلاحيات المخولة لملك البلاد.
“حالة الطوارئ الصحية”، التي نحن بصددها اليوم، لا تتصل مباشرة بالمجال السياسي أو بنظام الحكم، وإنما بخطر كبير يهدد الصحة العمومية، وهو ما تؤكده الوقائع في الميدان، وحالة الإستنفار في كل دول المعمور، ونداءات المنظمات الأممية المختصة، ومن ثم يضع هذا الواقع الصلاحية والاختصاص على السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية والإدارة الترابية المسؤولة أيضًا عن حفظ النظام العام والأمن، وهو ما تجسده اليوم الإجراءات الإدارية والأمنية المعلن عنها من لدن السلطات العمومية تنفيذا لتعليمات جلالة الملك، وذلك بغاية ضمان صحة المواطنين، والمنصوص عليه بدوره في عدد من فصول الدستور .
إن إقفال الحدود الجوية والبحرية والبرية للبلاد، وإغلاق المدارس والجامعات، وتعليق جلسات المحاكم، وإيقاف الصلوات الجماعية في المساجد، وحث المواطنين على البقاء في منازلهم وعدم مغادرتها إلا للضرورة القصوى، وغير هذا من الإجراءات التقييدية والإحترازية، تجد تفسيرها ومبررها في ضرورة مواجهة وباء قاتل ينتشر بسرعة وسط الناس وفي كل بلدان العالم، وبالتالي القيام بكل ما يلزم لحفظ الصحة والأمن العموميين، وهو أيضا ما يفسر إنزال القوات العمومية إلى الشارع لتنفيذ وإعمال هذه الإجراءات، والمساعدة في حماية حياة وصحة الناس.
اليوم كل دول المعمور تعتمد هذا التدبير الإداري والسياسي الإستثنائي، وتعبئ كل إمكانياتها لمواجهة الأزمة الصحية الخطيرة، وقد تابع الجميع عبر وسائل الإعلام كيف أن الصين قررت إجراءات أكثر، وسهرت قواتها على فرض تطبيقها بصرامة أكبر بكثير ، كما نتابع ما تقوم به فرنسا وأسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
الأمر يتعلق اليوم بالتزامات الدولة والسلطات العمومية لحفظ الصحة والأمن العامين، ويجب أن تقوم به، وفي المقابل يجب على المواطنين الوفاء بالتزامهم المتمثل في احترام إجراءات الدولة لإعمال التزاماتها، وأن نتحلى كلنا بانضباط صارم لتطبيق الإجراءات الإدارية والصحية والاحترازية المعلن عنها، والتقييد النسبي لحرية الحركة والتنقل يندرج في سياق هذا الالتزام المواطن، ويجب الالتزام به.
نشير أيضًا الى أن اعتماد تدبير استثنائي للشأن العام يفرض ايضا مساطر استثنائية في التشريع واقرار القوانين، ذلك أن الحكومة يتيح لها القانون سن مراسيم واعتماد مسطرة خاصة لاقرارها، علاوة على أن مخالفة الإجراءات المعلن عنها والتحريض على عصيانها او عدم الالتزام بها يعرض مقترفه لعقوبات منصوص عليها اصلا في قوانين البلاد، وهذا ايضا ما نسمعه هذه الأيام ونقرأ عنه في فرنسا وفي بلدان اخرى.
وترتيبا على ما سبق، فإن المطلوب اليوم منا جميعا هو تقوية حالة التفاعل الإيجابي وسط شعبنا مع مقتضيات” حالة الطوارئ الصحية”والالتزام الجماعي الصارم بما أعلنت عنه السلطات من إجراءات، ومواجهة كل دعوات الجهل والعبث بصحة شعبنا ومستقبل بلدنا، ورفضها والتنديد بها.
من المؤكد أن فئات واسعة من شعبنا لم يسبق أن عاشت مثل هذا الظرف، ولهذا تبقى مشاعر القلق والخوف مبررة ومفهومة، ومن المؤكد كذلك أن انفلاتات أو أخطاء قد تحدث هنا أو هناك، وقد يتجاوز بعض أعوان السلطة في تدخلاتهم الميدانية مبدأي الضرورة والتناسب، ولكن الغالب اليوم في الساحة أن هناك تجاوبًا واسعًا من لدن شعبنا مع إجراءات الحجر الصحي، كما ان السلطات العمومية نجحت لحد الان في تدبير فعال للمرحلة الصعبة، ويجب أن نفتخر بذلك كلنا، ونساعد أعوان السلطة وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية على القيام بمهماتهم الصعبة، وأن نصفق لمهنيي الصحة على الدور البطولي الذي يقومون به على مدار الساعة، ويجب أن ندعم كل هؤلاء الذين يسهرون على حمايتنا، وأن نوفر لهم ظروف العمل وايضا وسائل الوقاية، وأن نطمئنهم على أسرهم.
إن مصيرنا ومصير بلدنا بأيدينا نحن كمواطنات ومواطنين، ويجب أن نقوم بأدوارنا ونلتزم بتوجيهات وزارة الصحة واجراءات السلطات الإدارية، وأن نلزم منازلنا، وأن نرفض ونفضح دعوات الجهالة والتخلف والغباء.
المغرب سينتصر
لنبقى في بيوتنا ونلتزم بالإجراءات المعلن عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق