ربورطاجاتهام

أصيلة .. بين المعمار الأندلسي والرونق الفني المعاصر

ما إن تطأ رجلاك أرضها إلا وتلحفك ريح البحر الأطلسي، هناك أول شيء يمكن أن تقع عيناك عليه زرقة المياه وبريق الرمال، لا شيء يمكن أن يعدو في فكرك سوى الهدوء الكبير الذي يكتنف المكان، بالإضافة إلى سكون خطواتك وأن تحاول اختراق هوائها، خيالك يسبح بك نحو سماوية لون المدينة وانحناءات أزقتها وعبقها التاريخي.

هنا أصيلة، أو كما يحب كل “زيلاشي” أن ينطقها بـ “أزيلة”، البحر يمثل نصيب الأسد في رسم معالمها، الشمس وبرودة طقس الشتاء تجعل مشاعرك وكأنها تسبح بك في بحر متأرجح من الأحاسيس، ومعمارها يمكن أن يأخذك في رحلة عبر الزمن قد تقودك لمئات من السنين إلى الوراء، الحركة هناك لا تتوقف من اللذين يحاولون استكشاف المكان، وكأنهم قادمون من الشمال لاستكشاف ما هو مختفي بين ثنايا التاريخ.

تقف أمام باب القصبة المتاخمة للمحيط فتلامس سحر سنين، تحاول اختراق المكان فتنظر إلى المعمار وكأنك في أندلس القرن 14 و15، الأشكال حافظت على نفس الصبغة، والتقاسيم تشي لك بتناسق مع الأشكال الهندسية الموجودة بقرطبة وما تبقى من الآثار الهندسية بشبه الجزيرة الإيبرية، الجداريات والرسومات أضفت رونقا عجيبا على المكان ومنحته نوعا مختلفا من أشكال الحياة، لا يمكن أن تتوقف عن الاستكشاف، وكأنك وسط مدينة على شاكلة كتاب مفتوح يدفعك نحو تفاصيل التفاصيل.

أصيلة مركز اشعاع لمنطقة جبالة، ونقطة تحول عبر ثلاث حقب، قرية صغيرة، ازدهار عمراني، ودائرة للمشترك الإنساني (أندلسي، إسباني، برتغالي)، عدد سكانها يصل لحوالي 40 ألف نسمة حسب آخر إحصاء أجرته المملكة المغربية، تقع جنوب طنجة بـ 30 كلم، رسمت فوق سهل يطوقه سياج جبلي وارتفاعات تلية.

المدينة ليست نتاج سنوات قليلة وأو مئات السنين، بل يعود تاريخ إنشائها لأزيد من ألفي سنة، حيث استقر بها الأمازيغ ثم الفينيقيون والقرطاجيون إلى أن تحولت بعد ذلك لمستعمرة رومانية، ليأتي بعد ذلك مد الإسلام من شرق ويرسم بدوره الملامح الكبرى بدواخلها، وكان للبرتغاليين أيضا أثر في تحديد جزء من خلفيتها التاريخية.

“يقولون إنها معرض مفتوح.. وأنا أقول إنها جنة للعاشقين”، هكذا حكى بحنين كبير “علي” ابن مدينة أصيلة عن علاقته بزوايا هذا الفضاء المفتوح، “أصيلة بالنسبة للقادمين إليها وللسياح الذين يأتون من الشمال كالمعرض المفتوح، فكل شبر من منها يمثل عمل ابداعيا يكشف جمالية المتوسط ورونق الأطلسي ويسبح بك في عبق التاريخ، هم ينظرون إليها كفضاء يسحر الأعين ويأخذهم في رحلة قصيرة نحو عوالم متعددة من الفن والإبداع البشري، لكن بالنسبة لي تم أشياء أخرى، أشعر بأن التاريخ يسكن بداخلي كما يأسرها بأصفادها، من هنا انطلقت حملة الملوك الثلاث بمعركة واد المخازن، وهنا أوقف جزء من المغرب القديم هنا بـ “أزيلة”.. صحيح المدينة يمكن أن تزورها في يوم واحد وتستكشف رونقا مختلفا عن باقي المدن، فهي مثل النقطة التي تمثل الاستثناء على الشريط الساحلي للبلد.. يمكن القول إن الاستثناء كامن في طبيعتها في تفاصليها، حتى في الطريقة التي يمكن القول إنها تسير وفق نمط عجيب يظهر للآخرين روتني”.

وأضاف، “أصيلة أيضا وجهة لكل من يهزه خريف الالهام والابداع، بالإضافة إلى أنها ساحة كبيرة لكل محبي الصيد بالقصبة.. هنا لا يمكنك أن تتخيل الأطباق والمأكولات بدون السمك، السمك هنا جزء من أي بيت، وأحد الرموز الأساسية لأسواق المدينة.. السياح يتوافدون من كل مكان، لا يمكن أن تمر من حي إلا ووجدت سحنات مختلفة وكأنك في مركز ثقافي عالمي، لا يمكن أن تتوقف عن الاستكشاف، أنا أحس بأني جزء منها وهي جزء مني، لا يمكن أن أتخيل نفسي خارجها”.

وختم حديثه، “هنا الجو المعتدل، اعتدال موسمها الثقافي الذي يعتبر الحلقة الأهم في روتين المدينة الموسمي، يحج إليه الكثيرون وتعيش المدينة أجواء خاصة على غير المعتاد، يتغير كل شيء، الحركة بشوارعها، الأهم هو أن الجميع يهرب من زحمة المدن الكبرى ويأتي ليسير بهدوء شديد، هنا جنة للعاشقين ولكل محبي الحياة”.

أصيلة اليوم حسب العديدين تعتبر جوهرة الأطلسي القابعة في شمال المملكة المغربية، والمنطقة التي ارتفع بها منسوب التنمية والازدهار عبر التحولات السوسيوثقافية التي شهدتها المنطقة، فضلا على كونها مركزا حضاريا قائما بالذات يمكن من خلاله الوقوف على شذرة من معالم قرون خلت بتجلياتها البسيطة، والابداعات التي وضعت على جدرانها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق