أخبار مميزةحواراتهام

أبو أيوب: التوجه الذي يسير فيه العالم لا يبشر بالخير والتكنولوجيا تستعمل في السيطرة والتدمير

أكد الخبير المغربي د. يونس أبو أيوب، رئيس إدارة الحوكمة وبناء مؤسسات الدولة- الأمم المتحدة، أن كسب رهان مواكبة الثورة الرقمية، يرتبط أساسا بالتعليم كلبنة أساسية وجوهرية، بعيدا عن اعتباره سلعة مربحة حصرا، وإلا فلا يمكن تجاوز الفجوة القائمة على مستوى التطور التكنولوجي والرقمي.

وأوضح الخبير المغربي، في حوار خاص مع جريدة “نفس” الاليكترونية، أن المنطقة العربية تواجهها عدة تحديات لمواكبة الثورة الرقمية أو ما يطلق عليه الثورة الصناعية الرابعة.

كما وقف عند تحديات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، خاصة فيما يتعلق بكيفيات توظيفها والغايات منها، واعتبر أن التوجه الذي يسير فيه العالم لا يبشر بالخير، باعتبار أن هذه الابتكارات تستعمل بشكل أكبر في المزيد من التحكم والسيطرة والتدمير.

 ما هي أبرز التحديات التي تواجهها المنطقة العربية في ظل الثورة الصناعية الرابعة؟

أول تحدي للاستعمال التكنولوجي هو أن هذه المنطقة لا تنتج التكنولوجيا وهي مستهلكة لها فقط، وبالتالي تفرض عليها أمور لا تختارها.

وتعتبر كل البيانات التي تستعملها التكنولوجيا أكبر ثروة من حيث قيمتها المالية، ونحن نعلم أن قيمة البيانات تفوق قيمة برميل نفط.

وإذا كانت المنطقة العربية غنية بالنفط، فإنها اليوم فقيرة من حيث التكنولوجيا وإنتاجها، على اعتبار أن كل البيانات تجمع خارج المنطقة العربية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.  وهكذا يصبح التحكم في البيانات أمرا يستحيل على دول المنطقة العربية: بعبارة أخرى هذا يعني “انعدام السيادة التكنولوجية”.

أما التحدي الثاني، فهو ما يمكن أن نطلق عليه الأمية الرقمية، وبالتالي وجب الرفع من قدرات المواطن والفرد لمواكبة التحول الرقمي، وإلا فإن الفجوة الرقمية الموجودة بين الدول المتقدمة وبين الدول النامية ستزيد وتتسع أكثر فأكثر.

والتحدي الثالث يرتبط بسؤال: هل التكنولوجيا غاية أم وسيلة؟ في اعتقادي التكنولوجيا وسيلة وأداة لتحقيق هدف أو غاية، والغاية هي تحقيق رفاه الإنسان وازدهار المجتمعات البشرية.

ولهذا إذا بقي عمل الحكومات مرتبطا حصرا بأرقام تحقيق النمو الاقتصادي دون تحويلها إلى تنمية بشرية حقيقية، فليس بالشيء الكثير، لأن تحقيق أرقام عالية من النمو الإقتصادي لا تعني بالضرورة رفاه الإنسان والمجتمع في غياب تنمية بشرية حقيقية.

كيف ترون الصراع القائم على مستوى الحرب التكنولوجية والرقمية ومستقبلها؟

حرب الأمن السبراني قائمة منذ حوالي عقدين على الأقل ، والمنطقة العربية متخلفة على هذا المستوى بشكل كبير جدا.

هذا الصراع فطنت إليه دول متعددة في العالم، كالصين على سبيل المثال، التي نجحت في إنشاء شبكة إنترنت خاصة بها وهي ملكية للدولة. وحظرت على شركات كبرى مزودة بخدمات الانترنت الدخول إلى السوق الصيني إن لم تلتزم بشروطها، لأنها فطنت لطبيعة الحرب الرقمية وأهمية البيانات وقيمتها المالية وخطورتها الأمنية.

ولهذه الأسباب حصنت بياناتها وحظرت أن تكون مرتبطة بشبكة شركات خارج الصين، هذا الوضع غير قائم في المنطقة العربية التي ترتبط فيها البيانات برمتها بشركات خارج المنطقة. وهكذا تكون دول المنطقة العربية خسرت هذا الرهان وهذا التحدي منذ البداية.

ما المفروض في دول المنطقة العربية حتى تساير الثورة الرقمية؟

أول أساس هو القرار والإرادة السياسية، على اعتبار أن كل الأمور في الحياة ترتبط بالقرار والإرادة، وعلى دول المنطقة العربية، بعد ذلك بذل الجهود الضرورية لاستدراك هذه التأخر وتجاوز  الفجوة في المجال التكنولوجي.

ولعل المدخل الأساس لتحقيق ذلك يكمن في الاستثمار في التعليم، استثمار يشمل كل الأبعاد، وليس فقط التعليم الفني التقني.

الاستثمار في التعليم يجب أن يتأسس على الإجابة على سؤال جوهري وهو : ما طبيعة الإنسان الذي نريده في العشرين سنة المقبلة؟ وهذا الأمر يحتاج لرؤية وهي رؤية يخطط لها ويضعها السياسيون.

وحتى يتم كسب رهان مواكبة الثورة الرقمية، فإن المفتاح الأساس هو التعليم كلبنة أساسية وجوهرية، بعيدا عن تسليع هذا التعليم واعتباره سلعة مربحة حصرا، وإلا فلا يمكن تجاوز الفجوة القائمة على مستوى التطور التكنولوجي والرقمي.

ولعل خير مثال على هذه الطفرة، كوريا الجنوبية التي لا تتوفر على أية موارد طبيعية مقارنة مع ما تتوفر عليه دول المنطقة العربية من موارد طبيعية.

والقفزة التي حققتها كوريا الجنوبية منذ 1960 إلى اليوم، حيث كان حينها الدخل الإجمالي لبعض دول المنطقة العربية أعلى بكثير من نظيره الكوري، لم تتحقق من فراغ، حتى إن هذه القفزة قلبت الموازين وأصبحت بضع شركات كورية تحقق دخلا يتجاوز إجمالي الناتج المحلي لبعض الدول في المنطقة.

العامل في ذلك هو أن كوريا الجنوبية استثمرت بقوة في التعليم، بل وخلقت وزارة خاصة سميت بوزارة المعرفة أو اقتصاد المعرفة، وبذلك كونت جيلا جديدا منتجا للمعرفة مواكبا للثورة الرقمية فاعلا  فيها بشكل قوي.

وأعتقد أن هذه هي الطريق التي يجب على دول المنطقة العربية أن تسلكها حتى تتجاوز الفجوة القائمة في المجال التكنولوجي والرقمي، ولدي ايمان أن لدى دول هذه المنطقة القدرة على ذلك.

ففي المنطقة العربية يوجد حوالي 422 مليون نسمة من الساكنة، لذلك فالاستثمار في التعليم واستثمار هذه الثروة البشرية وبالتالي الرفع من الإنتاجية والمردودية، وإلا يصبح هذا الرأسمال البشري عبئا في المستقبل.

ماذا عن تحديات الذكاء الاصطناعي مع ظهور أصوات داعمة له وأخرى محذرة منه؟

الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بصفة عامة، اعتبرها من وجهة نظر خاصة، أدوات حيادية، بمعنى أن الإنسان هو  الذي خلقها وابتكرها، كمثيل خلق وصناعة الأسلحة وغيرها من الابتكارات والاختراعات، يبقى النقاش حول طرق وكيفيات استعمالها والغاية من هذه الابتكارات، سواء بنحو ايجابي يخدم الإنسانية أو بنحو سلبي يستعبدها ويؤذيها.

ومع كل هذا، وللأسف فالتوجه الذي يسير فيه العالم لا يبشر بالخير، باعتبار أن هذه الابتكارات تستعمل بشكل أكبر في المزيد من التحكم والسيطرة والتدمير.

وما توفره هذه الأدوات من قدرات التحكم والسلطة شيء رهيب وخطير. ولهذا إذا لم يتم تقنين استعمالات هذه الأدوات فإن العالم سيعرف نهاية مفهوم “الحرية” و” الديمقراطية”، كما ستصبح خصوصية الحياة الخاصة للإنسان على المحك، ولعل بعض البوادر في هذا الاتجاه بدأت تظهر.

في النهاية ترتبط هذه الأدوات وهذه الابتكارات بطرق توظيفها واستعمالها. فإذا ما تم توظيفها لخدمة رفاه الإنسان فذلك أمر ايجابي، وإذا ما تم استخدامها بشكل سلبي فسيصبح الإنسان عبدا للخوارزميات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق