أخبار مميزةربورطاجاترياضةهام

خبايا الإلتراس .. من يمولها وما علاقتها بالإعلام والسياسة؟

من منا لم يشاهد ما تصنعه الجماهير في المدرجات، احتفاليات وأهازيج، جماهير لا تتوقف، تشجع بحماسة منقطعة النظير، لوحات فنية، و”تيفوات” ورسائل متعددة، صدور عارية، الكرة بالنسبة لها ليست مجرد لعبة فقط، بل هي شغف، حب، انتماء، وقدرة رهيبة على صنع المستحيل في تسعين دقيقة.

الإلتراس، النمط التشجيعي الذي تفجر داخل ملاعب كرة القدم عبر العالم، الكرة للجمهور، هكذا يصرخون وهذا ما رفع في عدد من المناسبات الكروية، الإلتراس بالنسبة للمنتمين لها فكرة، حرية، تشجيع بدون قيود، تحرر من كل ما يمكن أن يوقف جماحهم، يعتبرون نفسهم التجلي التام لفكرة التشجيع، فإذا كان هناك جمهور نتائج، والتلفاز، والروابط الكلاسيكية والهوليغانز” و”الهولز” فالإلتراس تمثل الجميع وتتجاوز نواقصهم وما يعاب عنهم.

في هذا الملف نكشف كيف تمول الإلتراس ومن يقف وراءها، وما علاقتها بالسياسة ووسائل الإعلام، وحيثيات أخرى تحدث عنها أعضاء في خلايا تكون “الإلتراسات”.

هوس الإلتراس 

في حديث مع عدد من منتسبي روابط الألتراس الوطنية، أشاروا إلى أن فكرة الإلتراس نوع متقدم من التشجيع بالنسبة لهم، بالإضافة إلى أنها فضاء للتعبير عن المكنونات الداخلية والتنفيس عن ضغط الحياة اليومية.

وأضافوا أنه “إذا كان المستطيل الأخضر والمدرجات فضائين لصناعة الفرجة الرياضية، فنحن وجدناهما كمتنفس خارج النسق المجتمعي المعتاد.. نعشق فريقنا حتى الجنون، نعلن تضحيتنا، ونموت من أجل أفكارنا، والإلتراس بالنسبة لنا ليست فقط روابط للتشجيع، وهي أسلوب حياة تؤطر معيشنا اليومي، نحياها في تجلياتها الدقيقة، ولا تستقيم أيامنا إلا ونحن نسخر كل مجهودتنا من أجل تطويرها”.

الروابط والشغب

تتضارب التوجهات وتختلف إلى حد كبير، فمؤيدو الظاهرة يعتبرون أنها أسلوب راقي في التشجع، وأنها بريئة من كل الادعاءات التي تلصقها بفوضى الشغب، وأن الإلتراس فكرة والفكرة لا يمكن أبد أن تنتج العنف، ولا يمكن للإلتراس أبدا أن يساهموا بأي شكل من الأشكال في تغدية ظواهر لا تمت الرياضة بصلة.

في المقابل، يعتبر آخرون أن هذه الأخيرة غطاء مشرعن للعنف والشغب، وأنها تمثل فعلا سيسيولوجيا ينتج تجمعات مبنية على التعصب والشوفينية في التفكير بالإضافة إلا أن هذه التجمعات تنبني على تمويلات داخلية لا تتأسس على قواعد قانونية واضحة، مع أنها أصبحت  تغدي لدى الشباب قيم سلبية أساسها الكراهية وعدم القدرة على التجاوب مع المحيط الخارجي بالشكل السليم.

في ضفة أخرى، اتجاه ثالث يعبر على أن الإلتراس في عمقها حركة ثقافية متطورة تبلورت داخل الملاعب المغربية، لكنها لم تستطع أن تسير في النهج الذي تأسست عليه، وسقطت أكثر من مرة في منزلقات قادتها لشرك الشغب، وذلك باختلاق صراعات جانبية وعدوات مع جماهير المدن الأخرى، بالإضافة إلى ابتعادهم عن مسار نشر القيم البناءة وانتقالهم إلى العدوانية وصنع نمط تشجيعي عنيف.

سنة  2016 كانت مفصلية، إذ شهدت روابط الإلتراس تحولا جديدا بالمغرب، فبعد مجموعة من أعمال الشغب مثل ما يعرف ب”الخميس الأسود” وما إلى ذلك من أحداث، طفى إلى السطح النقاش حول تنزيل مضامين قانون 09.09 المتمم للقانون الجنائي والمتعلق بالشغب أثناء المباريات، بعد ذلك ستكون مباراة الرجاء الرياضي وشباب الريف الحسيمي الشرارة التي فتحت الباب أمام الزوبعة بعد الأحداث التي وقعت عقب نهاية اللقاء، وسقوط عدد من الضحايا، لتقوم بعدها وزارة الداخلية بإصدار قرار يقضي بمنع أي نشاط للإلتراس بشكل نهائي، لتعرف بعدها القضية منعرجات عدة واحتجاجات متكررة داخل الملاعب المغربية ضد هذا القرار، ليرفع بعدها الحظر بشكل جزئي ووفق شروط محددة.

عمر أحد منتسبي ألترا “وينرز”، حكى ل “نفس” حقيقة ارتباط فكرة الألتراس بالشغب، مشددا على أن الشغب لا علاقة له بالإلتراس لا من قريب ولا من بعيد، وأن ما يقع في بعض الحالات استثناءات فقط ولا يمكن أن تسقطها على الظاهرة بأكملها.

وأضاف المتحدث ذاته، “الشغب لا صلة له بالإلتراس، نحن نؤمن بكرة القدم كلعبة تصنع الفرجة وتساهم في انتشار القيم السمحة، فلا يمكننا أبدا أن نكون داعين لتآخي ونحن من نصنع الشغب، ما يقع في الملاعب فقط انفلاتات، لا يمكننا نحن كمجموعة أن نقوم بضبطها”، مضيفا، “صحيح في عالم كرة القدم هناك منافسة، وخصوصا بين الفصائل المشجعة، لكنها لا تتجاوز حدود الرياضية، أما ما يقع من أحداث متفرقة، فنحن بريئين منها براءة الذئب من دم يوسف”.

 

 الالتراس من الأشكال والتعابير  التي انبثقت عن حركة “التويسيدا” التي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي بالبرازيل، وتطورت بشكل كبير خلال العقد الأخير من الألفية المنصرمة، فلا يمكنك اليوم تخيل أي فريقي في العالم بدون رابطة إلتراس تشجعه، فهي بالنسبة لمنتسبيها اللاعب رقم 12، تشجع الفريق أينما حل وارتحل، وكلمة الإلتراس ذات أصل لاتيني وتعني “المتطرفون في الحب”، وتعد أول رابطة مشجعين في العالم سمت نفسها بهذا الاسم، رابطة مناصري فريق “إنتر ميلان” الإيطالي سنة 1960، لتعرف بعد ذلك الظاهرة انتشارا منقطع النظير.

الظاهرة شقت طريقها إلى المغرب مع بداية الألفية الجديدة وذلك مع تأسيس أول شكل لها سنة 2003 بطنجة، بعدها انتقلت حمى إنشاءها لجل الملاعب المغربية، تعددت التسميات والهدف واحد: تشجيع بدون توقف، إبداع وانطلاق نحو العالمية، رسمت هذه الأخيرة لوحات متعددة في مناسبات كروية وطنية وقارية ودولية، لم يعد المستطيل الأخضر وحده يضمن الفرجة بل صارت المدرجات بدورها تشد الأنظار.

 

التمويل والإعلام

“نعيش بوسائل ذاتية، وعلاقتنا بالإعلام يطبعها نوع من التحفظ”، هكذا انطلق حمزة عضو خلية إعلامية لإحدى روابط الألتراس المغربية في الحديث عن الموضوع، مشيرا إلى أن جل التمويلات التي تتلقاها هذه الفصائل، تنبني أساسا على شقين: مساهمات المنتسبين وبيع المنتوجات وليس هناك أي مصدر آخر.

أما بخصوص علاقة الإلتراس بالإعلام فقد أشار قائلا “هناك مبدأ أصيل في الألتراس، “لا للتعامل مع الإعلام، لماذا؟ نحن لا نرغب في أن يتم استغلال صورنا ورسائلنا بشكل مخالف، نعتمد بالأساس على إعلامنا الداخلي، لكن رغم ذلك علاقتنا بالإعلام محترمة لكن بنوع من التحفظ، وكل ما يمكن نشره لا بد أن توافق عليه المجموعة، فنحن نتمأسس على نظام أفقي في القرارات”.

تشير تقديرات إلى إن رأسمال إلتراس الرجاء والوداد تتراوح ما بين 400000 إلى 500000 درهما. فيما تتراوح كلفة “التيفوهات” ما بين 40000 إلى 80000 درهما. تقديرات أخرى، تشير إلى أن رأسمال التراس مثل التراس الدفاع الحسني الجديدي قد يصل إلى 70000 درهم، فيما تقدر كلفة التيفو ما بين 15000 و  30000 درهما.

رسائل سياسية  

“ارحل”، “باسطا” والعديد من المصطلحات التي ترتبط بالمجال السياسي وجدت سبيلا للمدرجات، رسائل سياسية بين الفينة والأخرى تعدت إدارة النادي وما يقع بعالم كرة القدم إلى ما هو سياسي صرف وما يرتبط بنمط التسيير المؤسساتي للدولة وانتقاد مجموعة من الظواهر التي تطفو إلى السطح بين الفينة والأخرى.

الفعل الاحتجاجي الجماهيري بالمغرب، ليس نتاجا مغربيا صرفا، بل تأثر كذلك بمحيطه الإقليمي والدولي، ظاهرت الإلتراس بمصر عرفت هذا التحول بعد ثورة 25 يناير سنة 2011 إذ ظلت جل أغاني الإلتراس هناك تحمل شعارات سياسية وكانت مشاركة بشبابها بقوة في ميدان التحرير، إلتراس “الوايت نايس” أنشدت بالمدرجات عددا من الشعارات والأغاني ذات رسائل سياسية قوية “شمس الحرية” “كلاب النظام” “حكايتنا”، وتضاعفت حدة هذه الأخيرة بعد سقوط أزيد من 22 قتيلا من مشجعي نادي الزمالك سنة 2013 بملعب الحرس الجوي ورفعهم شعار “افتح بنموت” محملين السلطة السياسية بمصر ما وقع، إلتراس “أهلاوي” بدورها نهجت نفس سبيل جارتها وبدورها فتحت النار في المدرجات على السلطة والسياسة وخصوصا بعد أحداث بورسعيد الدموية والتي تعتبر أكبر مجزرة عرفها تاريخ الكرة بسقوط 72 قتيل.

المغرب لم يكن استثناء، روابط الإلتراس بدورها، رفعت شعارات سياسية، هتفت في العديد من المرات موجهة رسائلها لسلطة السياسية بالبلاد ومعبرة عن همومها وما تربوا إليه، فقبل سبعة سنوات من الآونة أطلقت “الوينرز” (رابطة مشجعي الوداد البيضاوي) أغنية ترددت كثيرا بمدرجات مركب محمد الخامس تهاجم من خلالها الحكومة المغربية وتحملها مسؤولية ما يقع، ممررة  مجموعة من الرسائل، لتتوالى بعدها عدة محاولات من باقي روابط الإلتراس المغربية.

قبل سنة من الآن انتشرت أغنية لجماهير الرجاء البيضاوي تفاعل معها نسبة مهمة من رواد التواصل الاجتماعي، وتناقلتها عدد من القنوات العربية. كلمات النشيد أبرزت إلى أي حد وصل إليه سخط الجماهير، وتحمل أطرافا معينة وبطريقة غير مباشرة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، الأمر الذي فتح نقاشا مجتمعيا واسعا حول أحقية هذه الجماهير بالتعبير بهذه الطريقة أم لا؟ فهناك من نوه بمثل هذه الأغاني واعتبر هؤلاء الشباب وجدوا طريقة للتعبير عما يخالج صدورهم معتبرين الأغنية تقيم للوضع العام، في حين ذهب آخرون للقول أن مثل هاته الأمور نشاز ولا مكان لها في مثل هاته الأماكن ومن بينهم مسؤولين حكوميين.

جل أعضاء ومنتسبي الإلتراس الذين قابلتهم جريدة “نفس”، أكدوا على أن السياسة وهمومها صارت الإلتراس تحمل لواءها اليوم فلا يمكن أن يتم عزل من في المدرجات عن واقع المجتمع، فكل واحد منهم يعيش هموما وحكايات، وما يعبرون عنه هو صوت المجتمع.

وشددوا، أن حركية الألتراس اليوم واقع لا مفر منه، فمهما اختلفت الآراء والتوجهات، فالظاهرة قائمة بذاتها، ومرتبطة بواقعها، وصارت من أهم المؤثرين في عالم كرة القدم. والنقاش حولها سيستمر مادامت آلية لإنتاج ظواهر وممارسات مختلفة، ومدة صلاحيتها لن تنتهي وستستمر وتتطور مع تطور اللعبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق