ملفاتهام

المواقع الرسمية للمؤسسات العمومية.. حضور خافت للعربية وتغييب للأمازيغية

لا تحظى المواقع الإلكترونية الرسمية لأغلب المؤسسات والشركات العمومية، بالكثير من الاهتمام، نظرا لما تعيشه من ضعف محتواها الرقمي، وغياب التحيين المستمر للمعطيات التي تهم قطاعاتاتها. من ناحية أخرى، لا توفر هذه المواقع محتوى باللغتين الرسميتين، العربية الأمازيغية، بشكل يتلائم مع ينص عليه الدستور، في حين ي تحرص أغلب المؤسسات على تقديم محتواها باللغة الفرنسية. كل هذا يطرح الكثير من التساؤلات بخصوص عدم اهتمام هذه المؤسسات بالثقافة الرقمية وتنمية منصاتها وتحديثها لتصل إلى مستويات حققتها مؤسسات مماثلة في بلدان مختلفة في العالم، وخلق تواصل  مع المواطنين يناسب اهتمام وتفاعل المغاربة، وإن كان الاهتمام يصب أكثر في اتجاه مواقع التواصل الاجتماعي، التي تغيب عنها أيضا الكثير من هذه المؤسسات العمومية ما يؤكد فعلا أن هناك تناقض كبير بين ما تدعيه هذه المؤسسات من توجهات ومخططات نحو اعتماد المزيد من الرقمنة، وبين واقعها في هذا المجال.

محتوى ضعيف لا يرقى إلى التطلعات

تتميز المواقع الرسمية للمؤسسات والشركات العمومية، بمحتواها الضعيف والمتواضع، ولا يرقى إلى تطلعات المواطنات والمواطنين المغاربة، كما يتناقض مع التوجهات الاستراتيجية للدولة المغربية. وفي هذا الصدد، يرى يحيى اليحياوي الأستاذ الجامعي، الخبير في مجال الإعلام والاتصال، أن معظم المواقع الرسمية متواضعة المحت

يحيى اليحياوي

وى وجاذبيتها ضعيفة، وهي في الأصل، أو لنقل غالبيتها العظمى، لم تخلق من أجل سد حاجة قائمة.

وأضاف اليحياوي أنه كانت ثمة عدوى لإنشاء المواقع، للادعاء بأن هذه المؤسسة أو تلك تواكب التقنيات الرقمية وتعمل على توظيفها.  وأوضح أن من مؤشرات ذلك،  أن هذه المواقع لا تحين إلا ناذرا، ولا يقوم عليها مشرف قار، وتبقى مقتصرة على تقديم نبذة عن المؤسسة المعنية، مشيرا إلى أن غالبيتها هياكل تقنية تفتقر للمضامين، وتفتقر تحديدا إلى من يحدد طبيعة المضامين التي يجب إدماجها. وأضاف أن هذا لا ينفي أن ثمة مواقع رسمية لا بأس بها من ناحية المضامين، لكنها تبقى استثناء.  وقال “لدي قناعة أن بعض المؤسسات تنشئ لها صفحات على الشبكة من أجل رفع الحرج. بالتالي، فهي غاية وليست وسيلة”.

 

من جهته، سجل محمد بودن، رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية، فيما يتعلق بنشاط المواقع الرسمية للمؤسسات، تطورا على مستوى الخدمات المقدمة إلكترونيا من قبل المؤسسات خاصة فيما يتعلق بالولوج للمباريات، وكذلك تطورا لصفحات المؤسسات على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) وشبكات الفيديو “يوتيوب”، مضيفا أنه فيما يتعلق بالمعلومة يمكن القول إن نسبة مهمة من المواقع الرسمية ليست محينة بالشكل المطلوب.

محمد بودن

وأشار بودن، إلى أن الاهتمام بالموقع الإلكتروني يعكس اهتماما بالزائر والخدمة المقدمة له سواء كان مواطنا أو أجنبيا. كما أن اهتمام المؤسسة بالعامل الرقمي أصبح محددا في عالم اليوم بحيث أصبحت الإدارة الإلكترونية من بين أقوى أدوات القوة الناعمة للبلدان، مشددا على أن الاهتمام بالموقع الإلكتروني يعكس جدية لدى المؤسسات في استثمار نافذتها على العالم باعتبار الدعامة الإلكترونية أهم دعائم الماركوتينغ.

ضعف للعربية وتغييب للأمازيغية

من الأمور التي يمكن أن تؤاخذ عليها المؤسسات والشركات العمومية، عدم احترامها لمضامين دستور 2011، فقد اعتمدت باحتشام على اللغة العربية في مواقعها الرسمية، كما أنها غيّبت الأمازيغية، رغم أن اللغتين ينص الدستور المغربي على رسميتهما. وفي هذا السياق، يرجع الأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي الأمر إلى أن معظم القائمين على هذه المؤسسات “مفرنسين”، مضيفا “صحيح أن ثمة مجهودات لإدماج اللغة العربية، لكن الأمر يبقى من مجال المجاملة ليس إلا”.
أما الأمازيغية، يشير اليحياوي، فهي تقتصر على الصفحة الأولى للموقع ونكاد لا نعثر لها على مضامين تذكر بباقي مفاصل الموقع، وأوضح أنه ليس ثمة مضامين تنتج باللغة الأمازيغية. وربما يجب الرهان على رقمنة ما هو متوفر. وهذا جانب من المفروض أن يعالجه المجلس الوطني للغات لدى تنصيبه.
من جانبه، يعتبر فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، أن ما يقع في الإدارات العمومية هو تمثّل لواقع السياسة اللغوية الفوضوي الذي تغيب فيه مفردات التخطيط اللغوي والانضباط للدستور وبشكل عام تغيب السيادة اللغوية. فمن أبجديات الترسيم استعمال اللغة الرسمية في التواصل الرسمي مع المواطن سواء عبر التواصل البيني أو من خلال المواقع الالكترونية. لكن الغائب دوما هو هذا الوعي بأن اللغة الرسمية عنوان السيادة الوطنية والانتماء للوطن.

فؤاد بوعلي

وأضاف بوعلي، أن الإدارات التي تغيب اللغة الرسمية خاصة العربية في الصفحات الرسمية أو المحتوى تتعمد فصل خدماتها عن المواطن وتوجيهها لنخبة معينة مما يخلق نوعا من الطبقية في التواصل، مشيرا إلى أنه على الرغم من مجهودات البعض منها في تعريب مواقعها يظل الميسم السائد هو غلبة الفرنسة على التواصل الإداري مما يؤثر حتما على جودة التواصل وعموميته.

أما عبد الله بادو، رئيس الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة، فيرى أن استعمال الأمازيغية من عدمه في البوابات الإلكترونية لمؤسسات الدولة،  أمر نادر الحدوث وتشوبه الكثير من الاختلالات والتجاوزات، وتعكس عدم الجدية في التعاطي مع اللغة الرسمية للبلاد.  وأكد أن هذا الوضع يعتبر خرق وانتهاك لمقتضى دستوري واضح وصريح ولا يحتمل أي تأويل غير رسمية اللغتين معا. إذ أن المادة 5 من دستور 2011، حسمت أمر مكانة اللغة الأمازيغية واعتبرتها لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وأقرت بوضع قانون تنظيمي لبلوغ هذه الغاية.
إن هذا السلوك اللادستوري، يضيف بادو، يبرز ضعف تملك الفاعلين المؤسساتيين لمضامين دستور 2011، ورغبة ضمنية لتكريس تأويل غير ديمقراطي للدستور  ينحو نحو تكريس تراتبية وظيفية بين اللغتين الرسميتين للبلاد.
وبعد أن انتقد  عدم استعمال بعض المؤسسات العمومية للغة الأمازيغية في بواباتهم الإلكترونية، بمبرر انتظار إصدار القانون التنظيمي 26.16، أضاف أنه هناك الكثير من المؤسسات التي لا تتوانى في استعمال اللغات الأجنبية المختلفة خاصة الفرنسية، والإنجليزية والإسبانية في توفير المعلومة والخدمات، في غياب نص قانوني يشرع وينظم ذلك.
وبحسب بادو، فإن من يتصفح المواقع الإلكترونية لجميع المؤسسات العمومية سيلاحظ أنها لا تخضع لأي منطق أو قاعدة بخصوص اللغات المستعملة. وأكد أنه بناء على تصفح لأزيد من 15 موقع رسمي لوزارات ومؤسسات تشريعية (البرلمان بغرفتيه)، وتنفيذية (10 وزارات)، ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان (03 مؤسسات CNDH و DIDH و IRCAM)، يلاحظ أن أربع منها فقط تتوفر على صفحات باللغة الأمازيغية وبحرف تيفيناغ، بالإضافة إلى كونها تستعمل على الأقل لغتين إلى أربع لغات، من بينها اللغة العربية ولغات أجنبية (الفرنسية، الإنجليزية والإسبانية).

عبد الله بادو

وتابع بادو،  أن رئاسة الحكومة، ووزارة الثقافة، ووزارة التربية الوطنية، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، قد تشكل الاستثناء من بين كل الوزارات والمؤسسات الأخرى، حيث تتوفر على الأقل على صفحات باللغة الأمازيغية، غير أنها لا تخضع لعملية التحيين بشكل مستمر، كما أنها لا تتضمن نفس المضامين التي تنشر في نسخها بالعربية واللغات الأجنبية. ودعا المتحدث إلى  أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير أدائها وتغير من تعاطيها تجاه اللغة والثقافة الامازيغية، خاصة أن مشروع القانون التنظيمي ضمن العديد من مواده يضع أفق خمس سنوات لتعميم استعمال الأمازيغية في المرافق العمومية ومناحي الحياة العامة، إلى جانب توفير بنيات الاستقبال والإرشاد وخدمات الاتصال بالمؤسسات والصحافة والإعلام الإلكتروني والرقمي، عمومية كانت أو خاصة. مما سيجعل هذ المؤسسات أمام تحديات كبيرة بمجرد دخول القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية حيز التنفيذ.
ويعود محمد بودن، إلى القول أنه من المفترض أن تعتمد المواقع الإلكترونية للمؤسسات اللغتين الرسمتين للدولة وتنمية استعمالها في المجال المؤسساتي الرقمي، وذلك تطبيقا للفصل 5 من الدستور.  وأضاف أن أغلب المؤسسات الوطنية تعتمد اللغة العربية فيما يبقى استعمال الأمازيغية مقتصرا على التسميات في انتظار تطوير مضمونها المؤسساتي وتفعيل طابعها الرسمي في الواقع. وأوضح أن ثمة مؤسسات تستعمل اللغة الفرنسية باعتبارها لغة التدبير اليومي في أغلب المؤسسات، علاوة على أن اللغة الفرنسية تمكن من تسهيل ارتباطات عدد من المؤسسات وخاصة التي تدبر القطاعات الاقتصادية والاستثمارية وتواصلها مع محيطها الخارجي فضلا عن التكوين الفرنسي لدى عدد من مدراء ورؤساء المؤسسات الذي يفرض نفسه على أسلوب العمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق