الرأي

الإعاقة في إكراهات العالم الحديث

من المعلوم أن الأبحاث التي تجرى حول سوسيولوجيا الجسد تنتمي إلى حقل واسع وممتد داخل السوسيولوجيا العامة، ولعل حساسية الموضوع بتجلياته واختلافاته تجعله من الطابوهات المسكوت عنها، لكونه يحدث نوعا من الفجائية الغير متوقعة داخل المجتمع، لذلك فإعادة الخوض في المجالات المهمشة اجتماعيا يساهم في تأسيس وعي جمعي جديد، يصحح الرؤى ويضع المواضيع في سكتها الصحيحة، إذا ما تم التعامل معها بمنهج علمي سليم.

يتحدد الجسد بكونه منتوجا اجتماعيا، إذ ينتقل من كونه معطى بيولوجي خالص إلى معطى ثقافي تساهم في تشكيله الثقافة المجتمعية التي تنتمي إليه، ولعل التطورات الحاصلة في العالم الحديث جعلت من الجسد موضوعا مهما ورأسمالا ماديا أساسيا في علاقة الإنسان بمحيطه، بل تمكنت الرأسمالية كتوجه اقتصادي صرف من أن تجعل من الجسد سلعة قابلة للبيع، وهذا ما نلمسه من خلال وسائل الاتصال المرئية ، ومحلات التطبيب والرياضة  والموضة.

رشيد المغمض
رشيد المغمض

إن تغول الرأسمالية في جميع أنحاء حيواتنا المعيشة استطاع أن يرسم بدواخلنا نموذجا للجسد، ذاك الذي ينتمي إلى عالم الرشاقة والجمال، لتصبح في المقابل أجسادا خارج دائرة المقبول أو التقدير إن صح التعبير، فكثير من الناس أصبح الجسد عندهم محور الاهتمام، فيقضون معظم وقتهم في التفكير فيه، ويسرفون جميع أموالهم ووقتهم في إعداده وتقويته، لينحرف مسار ثالوت حياتنا الأساسي من موضوع العقل وما يحتويه من أفكار إلى الجسد وما يتميز به من إغراء، إن إسراف: الوقت ؛ والمال ؛ والتفكير في الجسد، عوض الإهتمام بأشياء أخرى صار يطرح علينا مجموعة من الأسئلة التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : أي موقع للأشخاص في وضعية إعاقة حركية داخل هذه التغيرات التي لا تعترف بالجسد إلا في نضجه وسلامته؟ هل يكفي سن قوانين خاصة للأشخاص في وضعية إعاقة ليتم إدماجهم داخل المنظومة المجتمعية؟ أين يقع المغرب داخل هذه التغيرات فيما يتعلق بالأشخاص في وضعية إعاقة؟

يعد الجسد بوابة لفهم الانسان وتصوره وإدراكه للعالم فجميع التمثلات الحاصلة داخله يعبر عنها انطلاقا من علاقته مع الآخرين، بل تتجسد أيضا في طريقة اللباس والزينة والفعل، فالجسد مسرح لكل الاعتمالات الداخلية للإنسان، لهذا فكل احساس بالنقص والتغيير عن ما هو مألوف يتسبب في نهج سلوك مختلف يتأثر ويؤثر على الانسان في علاقته مع نفسه ومع المحيط.

إن جدلية التأثير والتأثر هذه نلمسها عند ذوي الإعاقة الحركية باعتبارهم نموذجا لهذا المقال، إذ أن الجسد عند هذه الفئة لا يندرج وفق التصورات العامة للجسد، حيث أنه يتم إقصاء هذا الفئة بشكل نمطي في جميع المؤسسات خصوصا منها المرتبطة بصناعة الثقافة ؛ وأقصد بذلك الاعلام. حيث نلاحظ نذرة كبيرة في تقديم الانسان في وضعية إعاقة حركية كمقدم لبرنامج ما، أو في ارتداء الأزياء والموضة وهو اعتراف ضمني بأن هذه الفئة لا تستجيب لمعايير الجسد المتعارف عليها ومن تم فالإقصاء الممارس عليها يأتي من هذا الجانب.

استطاعت الآلة الاعلامية بأن تخلق نموذجا اجتماعيا للجسد، نجحت من خلاله في تكريس معايير محددة له، مما نتج عنه إقصاء لأشخاص آخرين، انحرفت معاييرهم عن المعمول به في التوجهات العامة، من بين هؤلاء الأشخاص في وضعية إعاقة، باعتبارهم أشخاصا لا يستجيبون لمعايير المجتمع، ومن هنا وباعتبار الاعاقة واقعة اجتماعية تفرض نفسها بنسب كبيرة داخل المجتمعات، فقد صار الحديث عن دمج الأشخاص ذوي الاعاقة في جميع مناحي الحياة أمرا ضروريا. لكن السؤال المطروح كيف يمكن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في المجتمع؟.

ينبغي علينا أن نعرف بأن اختلاف الجسد عند الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية هو اختلاف خارج عن إرادتهم وبأنه واقع لا يد لهم فيه، فإما أنهم يولدون باختلافهم هذا ؛ أو يتعرضون لحادث ما يجعلهم في وضعية إعاقة، ولأن الرأسمالية لا تعترف إلا بما هو ربحي فلا يهمها شيء من هذا القبيل، فهي تتاجر في كل المواضيع وتنظر إليها من الجانب الربحي فقط، وذلك من خلال صناعة العكاكيز أو الدراجات وكل الأدوات التي من شأنها تسهيل حركية هذه الفئة ليس من أجلهم ولكن بغرض الربح. وهنا لا يهم الهدف مادامت النتيجة تمدنا باختراعات و أدوات جديدة تمكن هؤلاء من الاندماج داخل المجتمع، غير أن هذا الأمر غير كافي، فالمدخل الرئيسي للاندماج داخل أي مجتمع ينطلق من التمكين الاقتصادي، فأن تكون لك استقلالية مادية معناه أنك لست عبئا على أحد فالاقتصاد عصب الحياة.

إن الاقتصاد العالمي المبني على الرأسمالية هو اقتصاد ربحي براغماتي لايكثرت بشيء إسمه “الانسانية” لهذا يلقبونها بالرأسمالية المتوحشة، فأينما وجدت المصلحة فهي معها. وعليه فاحتضان الأشخاص في وضعية إعاقة في سوق الشغل وفق المقاربة الإنسانية من طرف الشركات غير ممكن، إلا إذا تبينت بأن هناك مصلحة في ذلك، مما يستوجب تدخلا للدولة على اعتبار أن الأشخاص في وضعيات إعاقة مواطنون لهم مجموعة من الحقوق على رأسها التربية والتمدرس والتكوين والشغل والسكن.

تبذل الدول الغربية مجهودا كبيرا في تسخير إمكانياتها ومواردها بغية تحقيق التنمية عبر الاستفادة من عنصرها البشري باختلاف لونه وجنسه ووضعيته، ويعتبر الأشخاص في وضعية إعاقة أحد هذه الفئات التي شغلت العالم بأسره، إذ أنه من غير الممكن أن تجد دولة خالية من هذه الفئة، بل إنها تشكل نسبا كبيرة داخلها، مما يجعل العمل على إدماجها أمرا ضروريا عبر خلق قوانين ومؤسسات وسياسات عمومية تمكن هذه الفئة من الاستقلال الذاتي والاندماج الكلي، وقد نجحت المجتمعات الغربية بشكل نسبي في التغلب على هذه الظاهرة، عن طريق ابرام شراكات مع القطاعات الخاصة، وتشجيعها على تبني هذه الفئة وتكوينها بما يتناسب مع وضعيتها الجسدية والفكرية، كما استطاعت أن تجهز لمواطنيها البنيات التحتية وفق قوالب محددة تراعي كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة في التنقل وولوج الخدمات الأساسية وتقديم المساعدة إليهم وإعطائهم الأولوية في جميع مناحي الحياة، بمنأى عن وضعية الجسد.

وغير بعيد عن هذه الدينامية التي يعرفها العالم بخصوص الأشخاص في وضعية إعاقة، انخرط المغرب في اتفاقيات دولية كاعتراف ضمني بحقوق هذه الفئة، كما ضمن دستوره مجموعة من النصوص التي تراعي خصوصياتها، والتي ظهرت في شكل سياسات عمومية تعمل على النهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، غير أن هذا الأمر وإن كان في بداياته يعرف العديد من الاختلالات على رأسها ضعف كبير في التشخيص باعتبار هذا الأخير منطلقا رئيسيا في تحديد حاجيات الأشخاص في وضعية إعاقة، فمعظم السياسات العمومية والقوانين تعرف ضعفا من حيث التطبيق والنتائج، وذلك راجع بالأساس إلى عدم استيعاب فلسفة هذه المشاريع، وضعف انخراط هذه الفئة في مثل هذه السياسات، فصندوق دعم التماسك الاجتماعي الذي بدأ تفعيله سنة 2015، أي ما يقارب أربعة سنوات تتوضح اختلالاته من حيث النتائج فعمالة مقاطعات سيدي البرنوصي على سبيل المثال لا الحصر تم انخراط ما يزيد عن 800 شخص في وضعية إعاقة، في الأنشطة المدرة للدخل واستطاع 30 شخص منهم الاستفادة يعني أي 3.75%، بالإضافة إلى ضعف تطبيق القانون الخاص بالولوجيات إذ نلاحظ عدم توفر مجموعة من المؤسسات الاجتماعية الحديثة البناء على ولوجيات رغم صدور قانون حاص بهذا الأمر، ناهيك عن ضعف تطبيق نظام الكوطة المتعلق بـ 7% الخاص بهذه الفئة وغيرها من القوانين.

إن استماعنا المتتالي لهموم الأشخاص في وضعية إعاقة سواء الدهنية أو الحركية أو الحسية، يؤكد لنا بأن معطى الجسد حاضر دائما في واقعهم المعيش، سواء من حيث نظرة الآخر لهم أو عدم استجابة الخدمات والبنايات لخصوصياتهم الشيء الذي يشعرهم بنوع من الإقصاء والتهميش، ويضعهم في موضع المظلومية، مما يستوجب التفكير الجدي في موقع الأشخاص في وضعية إعاقة داخل التغيرات الدولية ذات التوجه الرأسمالي الصرف، وإعادة النظر في القوانين الخاصة بهم بما يراعي خصوصياتهم وكرامتهم، بالإضافة إلى تتبع جدوى المشاريع من خلال ربط الأهداف بالنتائج خصوصا في القوانين والمشاريع الوطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. وضع المعاق يستدعي بالفعل اجراءات جدية اهمهامحو كل ما يحمله المجتمع من تمثلات حول المعاق واعتباره عضوا فعالا يمكنه تحقيق ما لا يحققه غير المعاق احيانا كثيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق